الثقافات المحلية في آدرار موريتانيا: قراءة في الجذور و الأعراق / أ. أحمد آمنير  

أربعاء, 24/11/2021 - 00:18

تعتبر‭ ‬موريتانيا‭ ‬بلدا‭ ‬متعدد‭ ‬الثقافات،‭ ‬فالمجتمع‭ ‬الموريتاني‭ ‬هو‭ ‬نتاج‭ ‬التعاقب‭ ‬والتلاقح‭ ‬بين‭ ‬السود‭    ‬و‭ ‬البافور‭ ‬و‭ ‬البربر‭ ‬والعرب1‭. ‬ويلاحظ‭ ‬الدارس‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬الآدراري‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬مجرد‭ ‬نتاج‭ ‬للتفاعل‭ ‬المستمر‭ ‬عبر‭ ‬الزمن‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬تلك‭ ‬الأجناس،‭ ‬التي‭ ‬استوطنت‭ ‬آدرار‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬زمنية‭ ‬متلاحقة‭.‬

نشير‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ترتيبنا‭ ‬لتلك‭ ‬الأجناس‭ ‬الآنفة‭ ‬الذكر‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬بالضرورة‭ ‬حسب‭ ‬أقدمية‭ ‬تواجدها‭ ‬في‭ ‬الحيز‭ ‬الجغرافي‭ ‬المعروف‭ ‬بموريتانيا‭ ‬حاليا‭ ‬ولا‭  ‬في‭ ‬آدرار‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬موضوع‭ ‬دراستنا،‭ ‬أو‭ ‬إثباتا‭ ‬لتواجدها‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الحيز‭ ‬بالأساس،‭ ‬فبعضها‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬عنه‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬ندر‭ ‬من‭ ‬الذكر‭- ‬وعلى‭ ‬قلة‭ ‬المصادر‭ ‬التي‭ ‬تناولته‭  ‬فإنها‭ ‬تثير‭ ‬من‭ ‬التساؤل‭ ‬و‭ ‬الجدل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ما‭ ‬تقدمه‭ ‬لنا‭ ‬كحقائق‭ ‬علمية‭- ‬والحال‭ ‬هنا‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬البافور‭!‬2‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬العصور‭ ‬الحجرية‭ ‬لم‭ ‬تجر‭ ‬حولها‭ ‬بحوث‭ ‬أثرية‭ ‬جادة‭ ‬ذ‭ ‬بإستثناء‭ ‬كومبي‭ ‬صالح‭ ‬وتكداوست‭ ‬ودراسة‭ ‬لم‭ ‬تكتمل‭ ‬في‭ ‬آزوكي‭- ‬تلك‭ ‬البحوث‭ ‬التي‭ ‬يعول‭ ‬عليها‭ ‬كثيرا‭ ‬في‭ ‬فك‭ ‬طلاسيم‭ ‬الديموغرافيا‭ ‬الموريتانية‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭ ‬وفهم‭ ‬أصول‭ ‬وجذور‭ ‬الثقافات‭ ‬الشعبية‭ ‬المحلية،‭ ‬أما‭ ‬الفترة‭ ‬الوسيطة‭ ‬فقد‭ ‬وردت‭ ‬فيها‭ ‬بعض‭ ‬الإشارات‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الرحالة‭ ‬العرب‭ ‬حول‭ ‬السكان‭ ‬في‭ ‬الحيز‭ ‬الجغرافي‭ ‬المعروف‭ ‬بموريتانيا‭ ‬حاليا‭.‬

ننوه‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬الملاحظات‭ ‬التي‭ ‬قدمها‭ ‬باحثون‭ ‬غربيون‭ (‬برتغاليون‭) ‬حول‭ ‬المجتمع‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬آدرار‭ ‬وذلك‭ ‬أثناء‭ ‬فترة‭ ‬تبادلاتهم‭ ‬التجارية‭ ‬مع‭ ‬المنطقة‭.‬

عرفت‭ ‬آدرار‭ ‬تعاقب‭ ‬مجموعات‭ ‬بشرية‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬زمنية‭ ‬غابرة،‭ ‬حيث‭ ‬شهدت‭ ‬المنطقة‭ ‬تواجد‭ ‬بشري‭ ‬منذ‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬التاريخ‭ (‬حوالي‭ ‬مليون‭ ‬سنة‭)‬،‭ ‬وتشير‭ ‬النقوش‭ ‬الصخرية‭ ‬المنتشرة‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬أثرية‭ ‬متعددة‭ ( ‬البيظ،‭ ‬الغلاوية‭...) ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬بشري‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الربوع‭ ‬منذ‭ ‬آلاف‭ ‬السنين،‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬تبرز‭ ‬الحفريات‭ ‬والأعمال‭ ‬الأثرية‭ ‬المنجزة‭ - ‬رغم‭ ‬قلتها‭- ‬تواجدا‭ ‬بشريا‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬آدرار‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬متقدمة‭ ‬من‭ ‬الزمن،‭ ‬فمثلا‭ ‬تم‭ ‬اكتشاف‭ ‬قبور‭ ‬ترجع‭ ‬إلى‭ ‬آلاف‭ ‬السنين‭ ‬لأشخاص‭ ‬دفنوا‭ ‬في‭ ‬وضعية‭ ‬الجلوس‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الغلاوية‭ ‬في‭ ‬ولاية‭ ‬آدرار،‭ ‬وتشير‭ ‬الدراسات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬القبور‭ ‬تعود‭ ‬لفترة‭ ‬السابقة‭ ‬على‭ ‬دخول‭ ‬الإسلام‭ ‬للمنطقة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬فرضية‭ ‬وجود‭ ‬ثقافات‭ ‬آدرارية‭ ‬موغلة‭ ‬في‭ ‬القدم‭.‬

رغم‭ ‬قلة‭ ‬الكتابات‭ ‬التي‭ ‬تناولت‭ ‬الثقافات‭ ‬المحلية‭ ‬وتاريخها‭ ‬في‭ ‬آدرار‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬تعطينا‭ ‬بعض‭ ‬الإشارات‭ ‬الهامةعلى‭ ‬وجود‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الثقافات‭ ‬التي‭ ‬تلاحقت‭ ‬وأنتجت‭ ‬لنا‭ ‬المجتمع‭ ‬الآدراري‭ ‬في‭ ‬صورته‭ ‬الحالية‭.‬

عرفت‭ ‬آدرار‭ ‬عدة‭ ‬ثقافات‭ ‬بدءا‭ ‬بثقافات‭ ‬العصور‭ ‬الحجرية‭ ‬مرورا‭ ‬بالبافور‭ ‬والبربر‭ ‬فصنهاجة3،‭ ‬ثم‭ ‬الهجرات‭ ‬العربية‭ ‬و‭ ‬ما‭ ‬جلبته‭ ‬من‭ ‬نمط‭ ‬ثقافي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬شواهده‭ ‬جلية‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الآدراري‭ ‬حتى‭ ‬يوم‭ ‬الناس‭ ‬هذا‭!‬4‭.‬

ويمكن‭ ‬إجمال‭ ‬أهم‭ ‬مميزات‭ ‬و‭ ‬خصائص‭ ‬تلك‭ ‬الثقافات‭ ‬من‭ ‬خلال‭:‬

ثقافات‭ ‬العصور‭ ‬الحجرية

تظهر‭ ‬الرسوم‭ ‬و‭ ‬النقوش‭ ‬الصخرية‭ ‬المنتشرة‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬ولاية‭ ‬آدرار‭ ‬آثار‭ ‬ثقافات‭ ‬متنوعة‭ ‬شهدتها‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬العصور‭ ‬الحجرية‭ ‬المختلفة،‭ ‬فمن‭ ‬خلال‭ ‬تلك‭ ‬الرسوم‭ ‬و‭ ‬النقوش‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬مثل‭ ‬البيظ‭ ‬و‭ ‬الغلاوية‭. ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نستنتج‭ ‬أنماط‭ ‬الثقافات‭ ‬السائدة‭ ‬آنذاك‭.‬

إن‭ ‬الدارس‭ ‬لثقافات‭ ‬العصور‭ ‬الحجرية‭ ‬في‭ ‬موريتانيا‭ ‬يجد‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الصعوبات‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تنجز‭ ‬دراسات‭ ‬معمقة‭ ‬حولها‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هنالك‭ ‬بعض‭ ‬الدراسات‭ ‬لمواقع‭ ‬في‭ ‬آدرار‭ ‬أما‭ ‬مناطق‭ ‬البلد‭ ‬الأخرى‭ ‬فلم‭ ‬تحظ‭ ‬إلا‭ ‬بالنزر‭ ‬القليل‭ ‬من‭ ‬البحث‭ ‬افالدراسة‭ ‬لم‭ ‬تشمل‭ ‬بعد‭ ‬إلا‭ ‬بعض‭ ‬المواقع‭ ‬وبصفة‭ ‬سطحية‭ ‬منها‭ ‬مواقع‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬آدرار،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬الأخيرة‭ ‬حظيت‭ ‬باهتمام‭ ‬أكبر‭ ‬أما‭ ‬الآثار‭ ‬في‭ ‬باقي‭ ‬البلد‭ ‬فلا‭ ‬يوجد‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬إلا‭ ‬بعض‭ ‬الإشارات‭ ‬ولم‭ ‬تحظ‭ ‬مناطق‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬الشمال‭ ‬والشرق‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬مرور‭ ‬الكرامب5‭.‬

إلا‭ ‬أن‭ ‬هنالك‭ ‬مساهمات‭ ‬لمؤلفين‭ ‬مثل‭: ‬روبير‭ ‬فيرني،‭ ‬تيودور‭ ‬مونو،‭ ‬ريمون‭ ‬موني،‭ ‬ب‭.‬بيبرسي،‭ ‬ج‭.‬ف‭.‬باستي‭ ‬وبوبه‭ ‬ولد‭ ‬محمد‭ ‬نافع‭ ‬ومحمد‭ ‬ولد‭ ‬ختار‭ ‬حول‭ ‬الحجري‭ ‬القديم‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأبحاث‭ ‬تبقى‭ ‬نتائجها‭ ‬محدودة‭ ‬وذلك‭ ‬لسببين6‭:‬

‭  ‬كون‭ ‬جل‭ ‬القطع‭ ‬الأثرية‭ ‬وجدت‭ ‬صدفة‭ ‬والنشر‭ ‬حولها‭ ‬نادر

‭  ‬فقدان‭ ‬الطبقة‭ ‬القابلة‭ ‬لتوظيف‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يحول‭ ‬دون‭ ‬إمكانية‭ ‬التأريخ

ضف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬هذه‭ ‬الدراسات‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬تصنيف‭ ‬الأدوات‭ ‬وقد‭ ‬توصل‭ ‬بعض‭ ‬الباحثين‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬القديم‭ ‬كان‭ ‬يسكن‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الأحيان‭ ‬بجوار‭ ‬المناطق‭ ‬المائية‭ (‬البحيرات‭ ‬والأنهار‭) ‬وليس‭ ‬ببعيد‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬صناعته‭ ‬الحجرية‭ (‬مقالع‭ ‬الكوارتزيت‭ ‬الصلبة‭ ‬الكامبرو‭ ‬-‭ ‬أردوفيسية‭ ‬CAMBRO‭-‬ORDOVICIENNE‭) ‬التي‭ ‬أنجزت‭ ‬منها‭ ‬أدواته‭.‬

مواقع‭ ‬تحتوي‭ ‬اليوم‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المنقولات‭ ‬الأثرية‭ ‬التي‭ ‬صنعت‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬مختلفة،‭ ‬فـالإنسان‭ ‬قد‭ ‬استوطن‭ ‬تلك‭ ‬الصحراء‭ ‬منذ‭ ‬فترات‭ ‬متقدمة،‭ ‬وتشير‭ ‬الآثار‭ ‬التي‭ ‬وجدت‭ ‬إلى‭ ‬ثقافات‭ ‬متعددة‭ ‬كالآشولية‭ ‬7‭ ‬والمستيرية‭ ‬والعطرية8‭.‬

وقد‭ ‬استعمل‭ ‬الإنسان‭ ‬القديم‭ ‬الحجارة‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬جل‭ ‬أدواته‭ ‬فآثار‭ ‬الحجري‭ ‬القديم‭ ‬منتشرة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مناطق‭ ‬البلد‭ ‬من‭ ‬الأزرق‭ ‬قرب‭ ‬أزويرات‭ ‬حتى‭ ‬هضاب‭ ‬آفلة‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬تتركز‭ ‬أساسا‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬اأتراب‭ ‬الحجرةب‭ ‬وفي‭ ‬مناطق‭ ‬منها‭ ‬أساسا‭ ‬كمنطقة‭ ‬الباطن‭ ‬في‭ ‬آدرار9‭.‬

فالإنسان‭ ‬القديم‭ ‬قد‭ ‬استخدم‭ ‬الحجارة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬صناعة‭ ‬معظم‭ ‬أدواته،‭ ‬فصنع‭ ‬منها‭ ‬أدوات‭ ‬الطحن‭ ‬االرحيب‭ ‬و‭ ‬االصفيةب‭ ‬وأدوات‭ ‬القطع‭ ‬كالفأس‭ ‬الحجري‭ ‬اأكويديم‭ ‬الذيبب10‭ ‬وأدوات‭ ‬القنص‭ ‬اكبوشريكب‭. ‬كما‭ ‬استخدم‭ ‬الخزف‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬لاحقة‭ ‬حوالي‭ ‬5000‭  ‬ق‭.‬م‭.‬11،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬سمح‭ ‬له‭ ‬بتخزين‭ ‬الماء‭ ‬والحبوب‭ ‬وطبخ‭ ‬الأطعمة،‭ ‬وبذلك‭ ‬حد‭ ‬من‭ ‬تأثير‭ ‬الطبيعة‭ ‬عليه‭.‬

إن‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات‭ ‬وغيرها‭ ‬منتشرة‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬مختلفة‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬مناطق‭ ‬الوطن‭ ‬ففي‭ ‬آدرار‭ ‬موقع‭ ‬البيًظ‭ - ‬الذي‭ ‬وصفه‭ ‬تيودور‭ ‬مونو‭ ‬بأنه‭ ‬يحتوي‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يحمل‭ ‬أربع‭ ‬عربات‭ ‬قطار‭ ‬من‭ ‬الآثار‭-‬12‭ ‬والغلاوية،‭ ‬وليست‭ ‬هذه‭ ‬المواقع‭ ‬إلا‭ ‬نماذج‭ ‬بسيطة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تحتويه‭ ‬الصحراء‭ ‬من‭ ‬كنوز‭ ‬أثرية‭ ‬تحتاج‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬البحث‭ ‬والسبر‭ ‬والحفر‭ ‬والتنقيب‭.‬

1‭ - ‬ثقافة‭ ‬العصر‭ ‬الحجري‭ ‬القديم

‭(‬LE‭ ‬PALÉOLITHIQUE‭):‬

يعد‭ ‬العصر‭ ‬الحجري‭ ‬القديم‭ ‬من‭ ‬أقدم‭ ‬العصور‭ ‬البشرية‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أقدمها‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬فكما‭ ‬تشير‭ ‬الدراسات‭ ‬قد‭ ‬بدأ‭ ‬قبل‭ ‬1.000.000‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬الآن13،‭ ‬وقد‭ ‬عرف‭ ‬عدة‭ ‬ثقافات‭ ‬مثل‭ ‬الآشولية‭ ‬والمستيرية‭ ‬والعطرية‭ ‬و‭ ‬ثقافات‭ ‬أواخر‭ ‬الحجري‭ ‬القديم،‭ ‬فآثار‭ ‬هذه‭ ‬الحقبة‭ ‬منتشرة‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬مناطق‭ ‬موريتانيا‭ ‬و‭ ‬من‭ ‬أهمها‭ ‬منطقة‭ ‬الباطن‭ ‬في‭ ‬آدرار،‭ ‬حيث‭ ‬توجد‭ ‬مقالع‭ ‬الحجارة‭ (‬كوارتز،‭ ‬كوارتزيت،‭ ‬سيلكس‭) ‬التي‭ ‬كان‭ ‬الإنسان‭ ‬القديم‭ ‬يسكن‭ ‬بالقرب‭ ‬منها‭ ‬نظرا‭ ‬لعدم‭ ‬قدرته‭ ‬علي‭ ‬الانتقال‭ ‬بعيدا،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬يسكن‭ ‬في‭ ‬جوار‭ ‬المناطق‭ ‬الرطبة‭ (‬بحيرات،‭ ‬أنهار‭) ‬ويرجح‭ ‬بعض‭ ‬الدارسين‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬استعمل‭ ‬أدوات‭ ‬خشبية‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬آثار‭ ‬تساند‭ ‬ذلك‭ ‬الادعاء،‭ ‬ولعل‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬ميز‭ ‬الفترة‭ ‬الآشولية14‭:‬

‭  ‬الفؤوس‭ ‬ذات‭ ‬الوجهين‭(‬BUFACE‭).‬

‭  ‬الفؤوس‭ ‬الكبيرة‭ ‬البدائية‭ (‬LES‭ ‬GRAND‭ ‬HACHEREAUX‭).‬

ثم‭ ‬تلت‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بالفترة‭ ‬العطرية‭ ‬التي‭ ‬تمتد‭ ‬من‭ ‬حوالي‭ (‬90.000‭ ‬حتى‭ ‬20.000‭ ‬ق‭.‬م‭) ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬الإنسان‭ ‬فيها‭ ‬يحترف‭ ‬الصيد‭ ‬والجني‭ ‬في‭ ‬آدرار،‭ ‬وكانت‭  ‬أدواته‭ ‬الحجرية‭ ‬أشد‭ ‬صقلا‭ ‬من‭ ‬سابقتها‭ ‬لينتهي‭ ‬العصر‭ ‬الحجري‭ ‬القديم‭  ‬بجفاف‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬حوالي‭(‬20.000‭ ‬حتى‭ ‬10.000‭ ‬سنة‭ ‬قبل‭ ‬الآن‭).‬

1‭ - ‬آثار‭ ‬الحقبة‭ ‬الآشولية‭ ‬وثقافتها‭:‬

تعد‭ ‬الحقبة‭ ‬الآشولية‭ ‬من‭ ‬أقدم‭ ‬حقب‭ ‬العصر‭ ‬الحجري‭ ‬والأدوات‭ ‬المصنوعة‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الحقبة‭ ‬منتشرة‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬مناطق‭ ‬موريتانيا،‭ ‬فحيثما‭ ‬وجدت‭ ‬بيئة‭ ‬مناسبة‭ ‬لذلك‭(‬حجارة‭ ‬لكوارتزيت،‭ ‬كوارتز،‭ ‬سيلكس،‭ ‬والماء‭) ‬توجد‭ ‬آثار‭ ‬الحقبة‭ ‬الآشولية‭ ‬وخاصة‭ ‬مناطق‭ ‬الشمال‭ ‬ومن‭ ‬ضمنها‭ ‬آدرار‭ ‬الذي‭ ‬يمتاز‭ ‬بوجود‭ ‬الصخور‭ ‬والجروف‭ ‬والهضاب‭ ‬والتلال‭ (‬أظهر‭ ‬آدرار،‭ ‬تكل،‭ ‬أنترازي،‭ ‬أريشات‭) ‬وفي‭ ‬الغالب‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬مناطق‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬طويل‭ ‬للمجموعات‭ ‬البشرية‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬هنالك‭ ‬مواقع‭ ‬ضخمة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬عرفت‭ ‬استقرارا‭ ‬بشريا‭ ‬معتبرا‭ ‬كـمنطقة‭ ‬البيًظ‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬يوجد‭ ‬فيها‭ ‬آلاف‭ ‬القطع‭ ‬الأثرية15‭. ‬اإن‭ ‬المواقع‭ ‬مع‭ ‬تباينها‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬آثار‭ ‬تجمعات‭ ‬سكنية‭ ‬محدودة‭ ‬نظرا‭ ‬إلى‭ ‬نمط‭ ‬حياة‭ ‬القناصة‭ ‬الرحل،‭ ‬ولكن‭ ‬توجد‭ ‬أيضا‭ ‬مواقع‭ ‬ضخمة‭ ‬من‭ ‬المحتمل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الإقامة‭ ‬قد‭ ‬طالت‭ ‬بها‭ ‬ومن‭  ‬هذه‭ ‬المواقع‭ ‬الأزرق‭ ‬جنوب‭ ‬أزويرات‭ ‬ومنطقة‭ ‬البيًظ‭ ‬و‭ ‬آدرار‭ ‬عموما،‭ ‬وحمدون‭ ‬جنوب‭ ‬أطارب16‭.‬

2‭ - ‬آثار‭ ‬الحقبة‭ ‬العطرية‭ ‬وثقافتها‭:‬

تغطي‭ ‬آثار‭ ‬الفترة‭ ‬العطرية‭ ‬شمال‭ ‬البلاد‭ ‬من‭ ‬الأزرق‭ ‬مرورا‭  ‬بآدرار‭ ‬حتى‭ ‬الجزء‭ ‬الشمالي‭ ‬الشرقي‭ ‬من‭ ‬المجابات17‭.‬

وقد‭ ‬درس‭ ‬جل‭ ‬الباحثين‭ ‬القطع‭ ‬المكتشفة‭ ‬التي‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬دون‭ ‬دراسة‭ ‬المواقع‭ ‬الأثرية‭ ‬المنتشرة‭ ‬بصفة‭ ‬شاملة‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬حد‭ ‬من‭ ‬نتائج‭ ‬تلك‭ ‬الدراسات،‭ ‬ويعد‭ ‬خط‭ ‬العرض‭ ‬20‭ ‬18‭ ‬شمالا‭ ‬الحد‭ ‬الجنوبي‭ ‬لآثار‭ ‬هذه‭ ‬الحقبة،‭ ‬ولعل‭ ‬ميزة‭ ‬الصناعة‭ ‬الحجرية‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬العطرية‭ ‬أنها‭ ‬تعبير‭ ‬إفريقي‭ ‬عن‭ ‬الفترة‭ ‬المستيرية‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬امتداد‭ ‬للفترة‭ ‬الآشولية‭ ‬وأدوات‭ ‬هذه‭ ‬الحقبة‭ ‬من‭ ‬صنع‭ ‬الأمو‭ ‬سابينس‭ (‬HOMO‭ ‬SAPINES‭)‬‭ ‬ومن‭ ‬أدواتها19‭:‬

‭  ‬الأدوات‭ ‬ذات‭ ‬الساق‭ (‬محكات،‭ ‬خراطات،‭ ‬مثاقب،‭ ‬حراب‭).‬

‭ ‬الفؤوس‭ (‬صنف‭ ‬الفؤوس‭ ‬الصغيرة‭).‬

ويري‭ ‬البعض‭ ‬أن‭ ‬الفترة‭ ‬العطرية‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬90.000‭ ‬سنة‭ ‬وانتهت‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬20.000‭ ‬سنة‭ ‬قبل‭ ‬الآن‭.‬

2‭ - ‬العصر‭ ‬الحجري‭ ‬الحديث

‭(‬LE‭ ‬NÉOLITHIQUE‭):‬

لقد‭ ‬مرت‭ ‬الصحراء‭ ‬بفترات‭ ‬تحول‭ ‬مناخي‭ ‬عديدة،‭ ‬حيث‭ ‬عرفت‭ ‬فترات‭ ‬رطبة‭ ‬تتبعها‭ ‬فترات‭ ‬جفاف‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬أطول‭ ‬تلك‭ ‬الفترات‭ ‬فترة‭ ‬الجفاف‭ ‬التي‭ ‬صاحبت‭ ‬أواخر‭ ‬الحجري‭ ‬القديم‭ ‬من‭ (‬20.000‭ ‬حتى‭ ‬12.000‭) ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الحياة‭ ‬بدأت‭ ‬تعود‭ ‬للصحراء‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬10.000‭ ‬سنة‭ ‬قبل‭ ‬الآن‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬عرف‭ ‬بـالعصر‭ ‬الحجري‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬استطاع‭ ‬الإنسان‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬تحررا‭ ‬من‭ ‬عوامل‭ ‬الطبيعة‭ ‬واستقر‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬كان‭ ‬يستحيل‭ ‬عليه‭ ‬الاستقرار‭ ‬بها‭ ‬اكـورانب‭ ‬في‭ ‬آدرار‭ ‬مثلا‭. ‬

وقد‭ ‬بدأ‭ ‬الاستيطان‭ ‬أولا‭ ‬من‭ ‬المنطقة‭ ‬الوسطى‭ ‬الجبلية‭ ‬ليشمل‭ ‬باقي‭ ‬الصحراء‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬لاحقة،‭ ‬وقد‭ ‬خلف‭ ‬الإنسان‭ ‬القديم‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الآثار‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬استقر‭ ‬بها‭ ‬وخاصة‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬عرفت‭ ‬فترات‭ ‬استقرار‭ ‬طويل‭ ‬أو‭ ‬أعيد‭ ‬استغلالها‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬مجموعات‭ ‬متلاحقة‭ ‬لتوفرها‭ ‬علي‭ ‬مقومات‭ ‬الاستقرار‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬مقالع‭ ‬الحجارة‭ ‬والماء‭ ‬أو‭ ‬المعادن‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬استغلالها‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬متأخرة‭ ‬كــموقع‭ ‬االبيًظب‭.‬

يعد‭ ‬العصر‭ ‬الحجري‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬آدرار‭ ‬عموما‭ ‬من‭ ‬أغنى‭ ‬العصور‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬صناعة‭ ‬المنقولات‭ ‬الأثرية،‭ ‬وقد‭ ‬استطاع‭ ‬الإنسان‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬العصر‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬حرية‭ ‬في‭ ‬تنقله‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مرتبطا‭ ‬بمقالع‭ ‬الحجارة‭ ‬على‭ ‬خلاف‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬السابق20،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬قناصا‭ ‬ثم‭ ‬صياد‭ ‬أسماك‭ ‬ومحار‭ ‬ثم‭ ‬مارس‭ ‬الجني‭ ‬كما‭ ‬عرف‭ ‬تربية‭ ‬الحيوان21‭ (‬في‭ ‬حدود‭ ‬5.000‭ ‬ق‭ ‬م‭ )‬،‭ ‬ثم‭ ‬اخترع‭ ‬الخزف‭ ‬ذلك‭ ‬الاختراع‭ ‬الذي‭ ‬مثل‭ ‬فتحا‭ ‬كبيرا‭ ‬للإنسان‭ ‬يقول‭ ‬روبير‭ ‬فرني‭ ‬اإن‭ ‬الخزف‭ ‬بلا‭ ‬شك‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬التغيير‭ ‬الأكثر‭ ‬جذرية،‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬طبخ‭ ‬الأطعمة‭ ‬فإنه‭ ‬يسمح‭ ‬بتخزين‭ ‬الماء‭ ‬والأطعمة‭ ‬وحاجيات‭ ‬أخري‭ ‬غيرهاب‭ (‬وجد‭ ‬أثره‭ ‬مؤخرا‭ ‬حوالي‭ ‬4.000‭ ‬ق‭.‬م‭ ‬قرب‭ ‬أنواذيبو‭) ‬ثم‭ ‬عرف‭ ‬الزراعة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ (‬3500‭ ‬ق‭ ‬م‭)‬22‭.‬

ومن‭ ‬أبرز‭ ‬الأدوات‭ ‬التي‭ ‬تمت‭ ‬صناعتها‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة23‭:‬

‭  ‬أدوات‭ ‬الطحن‭ (‬الرحى،‭ ‬الصفية‭...)‬

‭  ‬بيض‭ ‬النعام‭ ‬المنقوش‭.‬

‭  ‬الحراب‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬برج‭ ‬إيفل‭ ‬تقريبا‭.‬

‭  ‬الأدوات‭ ‬الحجرية‭ ‬الدقيقة‭.‬

‭  ‬الأواني‭ ‬الخزفية‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬النقوش‭ ‬والرسوم‭ ‬الصخرية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬آدرار‭ ‬تبين‭ ‬نماذج‭ ‬من‭ ‬الأدوات‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬الإنسان‭ ‬يستخدمها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬صيد‭ ‬الحيوانات‭ ‬الكبيرة‭ (‬الفيلة،‭ ‬وحيد‭ ‬القرن،‭ ‬الزرافة‭...).‬

 

ثقــافة‭ ‬البافــور

لاتوجد‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الكتابات‭ ‬التي‭ ‬تناولت‭ ‬هذا‭ ‬الشعب‭ ‬وثقافته،‭ ‬فجل‭ ‬الدراسات‭ ‬لا‭ ‬تقدم‭ ‬لنا‭ ‬نتائج‭ ‬موثوقة‭ ‬بقدر‭ ‬ماتحيلنا‭ ‬إلى‭ ‬فرضيات‭ ‬عن‭ ‬أصول‭ ‬البافور‭ ‬وتاريخ‭ ‬استيطانهم‭ ‬آدرار،‭ ‬وهي‭ ‬على‭ ‬أهميتها‭ ‬تبقى‭ ‬مجرد‭ ‬فرضيات‭ ‬قابلة‭ ‬للنقاش‭ ‬والتصويب‭ ‬حتى‭ ‬يتم‭ ‬القيام‭ ‬بدراسات‭ ‬أثرية‭ ‬ربما‭ ‬تقدم‭ ‬لنا‭ ‬إجابات‭ ‬أكثر‭ ‬دقة‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الفرضيات‭ ‬حسب‭ ‬ما‭ ‬يرى‭ ‬الباحث‭ ‬الفرنسي‭ ‬الراحل‭ ‬بير‭ ‬بونت24‭.‬

لا‭ ‬يعرف‭ ‬الكثير‭ ‬عن‭ ‬البافور‭ ‬هل‭ ‬هم‭ ‬سود‭ ‬أم‭ ‬بيض؟‭! ‬ومهما‭ ‬يكن‭ ‬فمن‭ ‬المؤكد‭ ‬أنهم‭ ‬ليسوا‭ ‬مسلمين‭ ‬فعلى‭ ‬الأرجح‭ ‬إما‭ ‬مسيحيين‭ ‬أو‭ ‬يهود‭ ‬بل‭ ‬يذهب‭ ‬البعض‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬بأنهم‭ ‬ربما‭ ‬يكونوا‭ ‬وثنيين25‭.‬

فمن‭ ‬خلال‭ ‬المراجع‭ ‬الأوروبية‭ ‬نجد‭ ‬البرتغالي‭ ‬دييغــو‭ ‬كوميــز‭ ( ‬DIGO‭ ‬GOMS‭ ) ‬الذي‭ ‬تحدث‭ ‬سنة‭ ‬1482‭ ‬عن‭ ‬اجبل‭ ‬آبفورب‭ ‬كما‭ ‬نجد‭ ‬الإسباني‭ ‬فالانتيم‭ ‬فيرنانديز‭ (‬VALENTIM‭ ‬FENANDS‭) ‬في‭ ‬وصفه‭ ‬للشاطئ‭ ‬الأطلسي‭ ‬بين‭ ‬سبتة‭ ‬والسينغال‭ (‬1507-1506‭) ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬اجبل‭ ‬بافورب‭ ‬وفي‭ ‬كلتا‭ ‬الحالتين‭ ‬ينطبق‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬آدرار‭.‬

فثقافة‭ ‬البافور‭ ‬حسب‭ ‬إحدى‭ ‬الفرضيات‭ ‬و‭ ‬التي‭ ‬تدعمها‭ ‬بعض‭ ‬الشواهد‭ ‬المادية‭ ‬يوجد‭ ‬تناسق‭ ‬كبير‭ ‬بينها‭ ‬وبربر‭ ‬الشمال‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬طبيعة‭ ‬السكن‭.‬

فالبافور‭ ‬يشيدون‭ ‬مساكنهم‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬من‭ ‬الحجارة‭ ‬وتكون‭ ‬مدافنهم‭ ‬مجاورة‭ ‬لأماكن‭ ‬مناسبة‭ ‬للزراعة‭ (‬لكراير‭)‬26‭ ‬وهو‭ ‬مايستنتج‭ ‬منه‭ ‬أنهم‭ ‬كانوا‭ ‬يزاولون‭ ‬الزراعة‭ ‬وتربية‭ ‬المواشي‭ ‬بإستثناء‭ ‬الإبل،‭ ‬هذا‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬غراسة‭ ‬النخيل‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬حصينة27‭.‬

من‭ ‬خلال‭ ‬الفرضية‭ ‬الأولى‭ ‬والتي‭ ‬تنبني‭ ‬على‭ ‬شواهد‭ ‬مادية،‭ ‬يمكن‭ ‬ملاحظة‭ ‬بعض‭ ‬مميزات‭ ‬اعمارة‭ ‬البافورب‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مساكن‭ ‬من‭ ‬الحجارة‭ ‬شيدت‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬حصينة‭ ‬منفتحة‭ ‬على‭ ‬مناطق‭ ‬صالحة‭ ‬لممارسة‭ ‬الزراعة‭ ‬والانتجاع،‭ ‬ربما‭ ‬يكون‭ ‬تركيزهم‭ ‬على‭ ‬التحصين‭ ‬في‭ ‬البناء‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬حمايتهم‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬خطر‭ ‬خارجي؟‭!‬

الفرضية‭ ‬الثانية‭ ‬تقول‭ ‬بأن‭ ‬البافور‭ ‬ليسوا‭ ‬مسلمين‭ ‬بل‭ ‬أهل‭ ‬كتاب‭ ‬ويرجح‭ ‬أنهم‭ ‬مسيحيون‭ ‬ترجع‭ ‬أصولهم‭ ‬إلى‭ ‬الإسبان‭ ‬أو‭ ‬البرتغاليين28،‭ ‬ومن‭ ‬المسوغات‭ ‬القوية‭ ‬لأصحاب‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬ارتباط‭ ‬البافور‭ ‬بالكلاب‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬عندهم‭ ‬مدينة‭ ‬إسمها‭ ‬امدينة‭ ‬الكلابب‭ - ‬من‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬امدينة‭ ‬آزوكيب‭ - ‬تلك‭ ‬الكلاب‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬مدربة‭ ‬جيدا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬المساهمة‭ ‬في‭ ‬صد‭ ‬الأخطار‭ ‬الخارجية‭.‬

ويذهب‭ ‬البعض‭ ‬الآخر‭ ‬إلى‭ ‬أنهم‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬فرقة‭ ‬الإباضية29‭ (‬طائفة‭ ‬من‭ ‬الخوارج‭) ‬قدموا‭ ‬إلى‭ ‬شمال‭ ‬إفريقيا‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬انتشار‭ ‬التيار‭ ‬الخارجي‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬أواخره‭ ‬حيث‭ ‬من‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬قد‭ ‬تحصنوا‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭ ‬وجبال‭ ‬آدرار‭ ‬فرارا‭ ‬بدينهم‭ ‬ومحاولة‭ ‬منهم‭ ‬لكسب‭ ‬أتباع‭ ‬جدد‭!‬؟‭ ‬

مهما‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬أمر‭ ‬البافور‭ ‬وأوصولهم‭ ‬فإنهم‭ ‬من‭ ‬المؤكد‭ ‬أنهم‭ ‬أهل‭ ‬حضر،‭ ‬حيث‭ ‬تشير‭ ‬الثقافة‭ ‬المادية‭ ‬المتبقية‭ ‬حتى‭ ‬يوم‭ ‬الناس‭ ‬هذا‭ ‬إلى‭ ‬أنهم‭ ‬عرفوا‭ ‬التحضر‭ ‬فضخامة‭ ‬مقابرهم‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬أشهرها‭ ‬النصب‭ ‬التذكاري‭ ‬الكبير‭ ‬االمغليثيب‭ ‬القريب‭ ‬من‭ ‬اتنلبهب‭ ‬الذي‭ ‬ينسب‭ ‬إلى‭ ‬بافور‭ ‬نفسه،‭ ‬ونمط‭ ‬سكنهم‭ ‬الذي‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬جوار‭ ‬حقولهم‭ ‬الزراعية‭ (‬لكراير‭)‬30‭.‬

 

الثقافة‭ ‬البربرية‭ ‬والثقافة‭ ‬الصنهاجية

مع‭ ‬التحولات‭ ‬المناخية‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬الصحراء‭ ‬بدأ‭ ‬السكان‭ ‬بالانحصار‭ ‬نحو‭ ‬مناطق‭ ‬البحيرات‭ ‬و‭ ‬البرك‭ ‬المائية،‭ ‬وقد‭ ‬استطاع‭ ‬الوافدون‭ ‬الجدد‭( ‬البربر‭) ‬أن‭ ‬يتكيفوا‭ ‬أكثر‭ ‬مع‭ ‬تلك‭ ‬العوامل‭ ‬الجديدة،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تطويع‭ ‬معادن‭ ( ‬النحاس،‭ ‬الحديد‭...)‬

ففي‭ ‬حدود‭ ‬2800‭ ‬إلى‭ ‬2000‭ ‬سنة‭ ‬قبل‭ ‬الآن‭ ‬أصبح‭ ‬البربر‭ ‬حاضرن‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬الصحراء،‭ ‬ويمكن‭ ‬الاستدلال‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬الحضور‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬النقوش‭ ‬والرسوم‭ ‬الصخرية‭ ‬التي‭ ‬خلفتها‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة31،‭ ‬و‭ ‬ما‭ ‬مثلته‭ ‬من‭ ‬نمط‭ ‬ثقافي‭ ‬جديد32‭.‬

سنتعرف‭ ‬على‭ ‬جوانب‭ ‬هامة‭ ‬من‭ ‬الثقافة‭ ‬البربرية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الرسوم‭ ‬و‭ ‬النقوش‭ ‬الصخرية‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬الغلاوية،‭ ‬موقع‭ ‬أبدعت‭ ‬فيه‭ ‬أنامل‭ ‬الانسان‭ ‬أشكالا‭ ‬من‭ ‬التعبير‭ ‬الفني‭ ‬أمد‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬يومنا‭ ‬بصور‭ ‬ثقافية‭ ‬نقشت‭ ‬على‭ ‬الصخر‭ ‬منذ‭ ‬آلاف‭ ‬السنين‭.‬

1‭ - ‬موقع‭ ‬الغــــــلاوية‭:‬

‭ ‬يقع‭ ‬موقع‭ ‬الغلاوية‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬150‭ ‬كلم‭ ‬شمال‭ ‬شرق‭ ‬مدينة‭ ‬وادان33،‭ ‬ويعتبر‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬مواقع‭ ‬الفن‭ ‬الصخري‭ ‬في‭ ‬ولاية‭ ‬آدرار،‭ ‬وقد‭ ‬تم‭ ‬اكتشاف‭ ‬هذا‭ ‬الموقع‭ ‬سنة‭ ‬1935م‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬TRANCART‭ ‬وتم‭ ‬دراسته‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الباحث‭ ‬تيدور‭ ‬مونوا‭ ‬MONOD‭ ‬سنة‭ ‬1936-1938م34‭.‬

يعتبر‭ ‬من‭ ‬أجود‭ ‬مواقع‭ ‬الفن‭ ‬الصخري‭ ‬في‭ ‬موريتانيا‭ ‬وذلك‭ ‬بسبب‭ ‬كثرة‭ ‬الرسوم‭ ‬والنقوش‭ ‬الصخرية‭ ‬فيه،‭ ‬كما‭ ‬تتميز‭ ‬رسومه‭ ‬ونقوشه‭ ‬بالدقة‭ ‬و‭ ‬الوضوح،‭ ‬حيث‭ ‬تعتبر‭ ‬من‭ ‬النوعية‭ ‬الجيدة‭ ‬مقارنة‭ ‬مع‭ ‬باقي‭ ‬مواقع‭ ‬الفن‭ ‬الصخري‭ ‬الموريتاني‭.‬

يستنتج‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الرسوم‭ ‬و‭ ‬النقوش‭ ‬الصخرية‭ ‬المنتشرة‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬الغلاوية‭ ‬أن‭ ‬المنطقة‭ ‬كانت‭ ‬تعج‭ ‬بحيوانات‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬البيئة‭ ‬مناسبة‭ ‬لها،‭ ‬بسبب‭ ‬الظروف‭  ‬المناخية‭ ‬القاسية‭ ‬كالفيلة‭ ‬و‭ ‬وحيد‭ ‬القرن‭ ‬و‭ ‬الأبقار‭...‬

يمكننا‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬نستخلص‭ ‬أن‭ ‬المنطقة‭ ‬شهدت‭ ‬تواجدا‭ ‬بشريا‭ ‬معتبرا‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬البوفيدية‭ ‬تجسده‭ ‬النقوش‭ ‬و‭ ‬الرسوم‭ ‬الصخرية‭ ‬الكثيرة‭ ‬التي‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬المنطقة‭ ‬قد‭ ‬عرفت‭ ‬ثقافة‭ ‬صيد‭ ‬الحيوانات‭ ‬بطرق‭ ‬و‭ ‬وسائل‭ ‬خاصة‭ ‬تستخدم‭ ‬فيها‭ ‬النبال‭ ‬والأقواس،‭ ‬وتعتبر‭ ‬البرك‭ ‬و‭ ‬نقاط‭ ‬المياه‭ ‬المكان‭ ‬الملائم‭ ‬للقيام‭ ‬بتلك‭ ‬المهمة‭ ‬ويتضح‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الكمائن‭ ‬المبينة‭ ‬في‭ ‬النقوش‭ ‬والرسوم‭ ‬الصخرية‭ ‬35‭.‬

و‭ ‬يمكن‭ ‬ملاحظة‭ ‬الثقافة‭ ‬البربرية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وجود‭ ‬رسوم‭ ‬لعربات‭ ‬تجرها‭ ‬الخيول،‭ ‬ينسبها‭ ‬البعض‭ ‬لشعب‭ ‬االجرمينتب،‭ ‬ويعتقد‭ ‬أن‭ ‬االلوبيين‭ ‬البربرب‭ ‬هم‭ ‬أجداد‭ ‬صنهاجة‭!‬36‭ ‬نشير‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الدارسين،‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬صنهاجة‭ ‬ينتسب‭ ‬بعضهم‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬لعرب‭ ‬الأمصار‭!‬37‭ ‬ومع‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬الأول‭ ‬الهجري‭ ‬بدأ‭ ‬الإسلام‭ ‬يدخل‭ ‬ربوع‭ ‬الصحراء38،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬المد‭ ‬الإسلامي‭ ‬قد‭ ‬أخذ‭ ‬طريقه‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬إفريقيا‭ ‬مع‭ ‬عقبة‭ ‬ابن‭ ‬نافع،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يصل‭ ‬بصورة‭ ‬فعلية‭ ‬إلى‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬حفيده‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬بن‭ ‬حبيب‭ ‬الفهري،‭ ‬حيث‭ ‬حفر‭ ‬الآبار‭ ‬في‭ ‬عموم‭ ‬الصحراء‭ ‬وأصبحت‭ ‬الطريق‭ ‬سالكة‭ ‬أمام‭ ‬التجار‭ ‬و‭ ‬المهاجرين‭ ‬العرب،‭ ‬ولم‭ ‬يكتمل‭ ‬القرن‭ ‬الثالث‭ ‬الهجري‭ ‬حتى‭ ‬انتظمت‭ ‬القبائل‭ ‬الصنهاجية‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭. ‬

قرنا‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬تأسست‭ ‬حركة‭ ‬المرابطين‭ ‬التي‭ ‬أرست‭ ‬دعائم‭ ‬الاسلام‭ ‬شمالا‭ ‬و‭ ‬جنوبا،‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬ابن‭ ‬ياسين‭ ‬الجزولي،‭ ‬وقد‭ ‬امتد‭ ‬تأثير‭ ‬المرابطين‭ ‬حتى‭ ‬اسبانيا‭ ‬حاليا‭ ‬وحظي‭ ‬شقهم‭ ‬الشمالي‭ ‬بنصيب‭ ‬وافر‭ ‬في‭ ‬المراجع‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الشق‭ ‬الجنوبي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬عنه‭ ‬إلا‭ ‬النزر‭ ‬القليل‭ ‬من‭ ‬الإشارات‭ ‬وذلك‭ ‬منذ‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬5ه‭ ‬حتى‭ ‬القرن‭ ‬10ه‭ ‬39‭.‬

ومن‭ ‬المؤكد‭ ‬أنه‭ ‬بعد‭ ‬عودة‭ ‬أبي‭ ‬بكر‭ ‬بن‭ ‬عمر‭ ‬من‭ ‬رحلة‭ ‬إلى‭ ‬مراكش‭ ‬جلب‭ ‬معه‭ ‬قضاة‭ ‬و‭ ‬معلمين‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬القاضي‭ ‬الحضرمي‭ ‬الذي‭ ‬يقول‭ ‬ابن‭ ‬حزم‭ ‬انه‭ ‬كان‭ ‬قاضيا‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬آزوكي40،‭ ‬وقد‭ ‬ساهم‭ ‬أولئك‭ ‬القضاة‭ ‬و‭ ‬المعلمين‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭.‬

 

الثقافة‭ ‬العربية‭ ( ‬الحسانية‭)‬

لم‭ ‬يقتصر‭ ‬الوجود‭ ‬البشري‭ ‬في‭ ‬آدرار‭ ‬على‭ ‬فترة‭ ‬البافور‭ ‬وصنهاجة‭ ‬أو‭ ‬البربر،‭ ‬بل‭ ‬شهدت‭ ‬تعاقب‭ ‬مجموعات‭ ‬بشرية‭ ‬مختلفة،‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬لاحقة‭ ‬حيث‭ ‬بدأت‭ ‬الهجرات‭ ‬العربية‭ ‬تدخل‭ ‬بلاد‭ ‬شنقيط‭  ‬منذ‭ ‬القرن7ه41،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬هم‭ ‬أولئك‭ ‬العرب‭ ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬البعض‭ ‬نشر‭ ‬تعاليم‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭ ‬بل‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬أغلبهم‭ ‬ينحدرون‭ ‬من‭ ‬بني‭ ‬سليم‭ ‬وبني‭ ‬هلال‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يمارسون‭ ‬السطو‭ ‬على‭ ‬الحجيج‭ ‬حتى‭ ‬تم‭ ‬نفيهم‭ ‬من‭ ‬شبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية42‭. ‬وقد‭ ‬بلغت‭ ‬تلك‭ ‬الهجرات‭ ‬أوجها‭ ‬في‭ ‬القرنين‭ ‬14و15م43‭.‬

شهدت‭ ‬منطقة‭ ‬آدرار‭ ‬استيطان‭ ‬العرب‭ ‬فيها‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬صنهاجة‭ - ‬تقول‭ ‬بعض‭ ‬الروايات‭ ‬إنهم‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬بربرية‭)‬44‭- ‬ليشكلوا‭ ‬إضافة‭ ‬جديدة،‭ ‬تثري‭ ‬الفسيفساء‭ ‬الثقافية‭ ‬و‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الآدرارية‭.‬

عرفت‭ ‬المنطقة‭ ‬بمكانتها‭ ‬العلمية‭ ‬الرائدة،‭ ‬يقول‭ ‬اباه‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬الأمين‭ ‬اللمتوني45‭ (‬1330هـ‭) ‬مبرزا‭ ‬المكانة‭ ‬العلمية‭ ‬الكبيرة‭ ‬لبلدة‭ ‬آدرارية‭ ‬صغيرة‭ ‬اإن‭ ‬أكثر‭ ‬بقاع‭ ‬الدنيا‭ ‬علما‭ ‬آن‭ ‬ذاك‭ ‬تينيكي‭ ‬ومصرب46‭.‬

فقد‭ ‬كانت‭ ‬اأكصور‭ ‬آدرارب‭ ‬منابر‭ ‬علم‭ ‬امتد‭ ‬إشعاعها‭ ‬حتى‭ ‬وصل‭ ‬المشرق،‭ ‬وعرفت‭ ‬تلك‭ ‬الحواضر‭ ‬نهضة‭ ‬ثقافية‭ ‬كبيرة‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬قدوم‭ ‬المرابطينب‭...‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يؤرخ‭ ‬لبداية‭ ‬تعاطي‭ ‬تداول‭ ‬العلم‭ ‬مع‭ ‬بدء‭ ‬دولة‭ ‬المرابطين،‭ ‬إذ‭ ‬استجلبوا‭ ‬المعلمين‭ ‬وأقاموا‭ ‬الدين‭ ‬بالقوة‭ ‬والموعظة،‭ ‬فترعرع‭ ‬العلم‭ ‬في‭ ‬أحضان‭ ‬المدن‭ ‬التي‭ ‬استولوا‭ ‬عليها‭ ‬كأودغست‭ ‬وغيرها،‭ ‬أو‭ ‬التي‭ ‬تأسست‭ ‬بعيد‭ ‬عهدهم‭ ‬كوادان‭ ‬وتيشيت‭ ‬وشنقيط،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬المدن‭ ‬تعج‭ ‬بالعلماء‭ ‬والمساجد،‭ ‬عامرة‭ ‬مزدهرة‭ ‬بالثقافة‭ ‬والعلم‭ ‬والنشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الحيويب47‭.‬

قسم‭ ‬المجتمع‭ ‬حسب‭ ‬بعض‭ ‬الدارسين‭ ‬أيام‭ ‬المرابطين‭ ‬إلى‭ ‬طبقات‭ ‬تقسيما‭ ‬وظيفيا‭ ‬لا‭ ‬سلاليا‭ ‬وتلك‭ ‬الطبقات‭ ‬هي‭:‬

‭  ‬العرب‭ (‬بنو‭ ‬حسان‭).‬

‭  ‬الزوايا‭ (‬المجموعة‭ ‬التي‭ ‬تهتم‭ ‬بالعلم‭ ‬والقضاء‭).‬

‭  ‬اللحمة‭ (‬المجموعات‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تحتمى‭ ‬لا‭ ‬بالقلم‭ ‬ولا‭ ‬بالسيف‭).‬

يرى‭ ‬البعض‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التقسيم‭ ‬الوظيفي‭ ‬من‭ ‬أيام‭ ‬أبي‭ ‬بكر‭ ‬أبن‭ ‬عمر،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬تعزز‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬بسبب‭ ‬الحروب‭ ‬والنزاعات‭ ‬التي‭ ‬طرأت‭ (‬حرب‭ ‬شربب‭)‬،‭ ‬وقد‭ ‬أضحى‭ ‬المجتمع‭ ‬الا‭ ‬مكان‭ ‬فيه‭ ‬إلا‭ ‬لمن‭ ‬لا‭ ‬يحمل‭ ‬مهندا‭ ‬طريرا‭ ‬أو‭ ‬كتابا‭ ‬مطرراب48،‭ ‬و‭ ‬من‭ ‬ما‭ ‬يستدل‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬الموروث‭ ‬الشعبي‭ ‬المثل‭ ‬الشائع‭ ‬االعيش‭ ‬ألا‭ ‬تحت‭ ‬الركاب‭ ‬والل‭ ‬تحت‭ ‬أكتابب،‭ ‬ويعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الحياة‭ ‬الكريمة‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬إلى‭ ‬بسلاحي‭ ‬القلم‭ ‬أو‭ ‬السيف‭.‬

وقد‭ ‬أتم‭ ‬بنو‭ ‬حسان‭ ‬ما‭ ‬أسس‭ ‬له‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬الأول‭ ‬الهجري‭ ‬من‭ ‬تعريب‭ ‬وأسلمة‭ ‬للمجتمع‭ ‬ووجدوا‭ ‬سندا‭ ‬من‭ ‬الصنهاجيين‭ ‬وانطلق‭ ‬تياران‭: ‬تيار‭ ‬التعلم‭ ‬وله‭ ‬في‭ ‬الزوايا‭ ‬قوة‭ ‬ومدد،‭ ‬وتيار‭ ‬التعريب‭ ‬وله‭ ‬في‭ ‬بني‭ ‬حسان‭ ‬عدة‭ ‬وعدد49‭. ‬حتى‭ ‬أمست‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬هي‭ ‬السائدة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬واندثرت‭ ‬لغات‭ ‬مثل‭ ‬الغة‭ ‬آزيرب‭ ‬ولغة‭ ‬صنهاجة‭ (‬أكلام‭ ‬أزناكة‭)‬50‭ ‬لصالح‭ ‬تيار‭ ‬التعريب‭.‬

ومع‭ ‬سقوط‭ ‬حكم‭ ‬المرابطين‭ ‬وتلاشي‭ ‬دولتهم‭ ‬تشتتت‭ ‬المدن‭ ‬وتفرقت‭ ‬المجموعات‭ ‬السكانية‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬الأمن‭ ‬والمرعى،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬ينقص‭ ‬من‭ ‬حبهم‭ ‬للعلم‭ ‬وتمسكهم‭ ‬به‭ ‬بل‭ ‬ظهرت‭ ‬المحاظر51‭ ‬أو‭ ‬مايسميه‭ ‬البعض‭ ‬بظاهرة‭ ‬االبادية‭ ‬العالمةب‭ ‬مشعل‭ ‬علم‭ ‬يضيء‭ ‬عتمة‭ ‬الصحراء‭.‬

نخلص‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬الآدراري‭ ‬نتاج‭ ‬لثقافات‭ ‬متعددة،‭ ‬تعاقبت‭ ‬على‭ ‬الاستيطان‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬آدرار،‭ ‬تلك‭ ‬المنطقة‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬مستقرا‭ ‬للإنسان‭ ‬منذ‭ ‬العصور‭ ‬الحجرية،‭ ‬ففي‭ ‬الباطن‭ ‬استقر‭ ‬الإنسان‭ ‬منذ‭ ‬فترات‭ ‬سحيقة‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬إقامته‭ ‬قد‭ ‬طالت‭ ‬أثناء‭ ‬العصر‭ ‬الحجري‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬كالغلاوية‭ ‬والبيظ‭. ‬

تلك‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬تتوفر‭ ‬على‭ ‬مقالع‭ ‬الحجارة‭ ‬بكثرة،‭ ‬حجارة‭ ‬كانت‭ ‬عصب‭ ‬الحياة‭ ‬و‭ ‬أداتها‭ ‬الفاعلة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكتشف‭ ‬الخزف‭ ‬وتطوع‭ ‬معادن‭ ‬النحاس‭ ‬والحديد‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬لاحقة‭.‬

يعرف‭ ‬آدرار‭ ‬بوجودالكرايرب‭ ‬مناطق‭ ‬وجد‭ ‬فيها‭ ‬االإنسان‭ ‬البافوريب‭ ‬مبتغاه‭ ‬ومارس‭ ‬الزراعة‭ ‬وغراسة‭ ‬النخيل،‭ ‬بل‭ ‬ربما‭ ‬يكون‭ ‬أسس‭ ‬مدنا‭!‬

وقد‭ ‬شكل‭ ‬القرن‭ ‬الأول‭ ‬الهجري‭ ‬تاريخا‭ ‬فاصلا‭ ‬حيث‭ ‬بدأ‭ ‬الإسلام‭ ‬يدخل‭ ‬المنطقة،‭ ‬لكن‭ ‬دعائمه‭ ‬لم‭ ‬ترس‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬صلبة‭ ‬إلا‭ ‬مع‭ ‬المرابطين‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬5‭ ‬ه،‭ ‬ووجدت‭ ‬فيه‭ ‬القبائل‭ ‬الصنهاجية‭ ‬ضالتها‭ ‬الروحية،‭ ‬ومع‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬7ه‭ ‬بدأت‭ ‬القبائل‭ ‬العربية‭ ‬تستوطن‭ ‬المنطقة،‭ ‬وتنشر‭ ‬ثقافتها‭ ‬متحالفة‭ ‬مع‭ ‬الصنهاجيين‭ ‬الذين‭ ‬كان‭ ‬لهم‭ ‬السبق‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬دعائم‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬الصحراء،‭ ‬فكان‭ ‬من‭ ‬النتائج‭ ‬المباشرة‭ ‬لذلك‭ ‬اندثار‭ ‬بعض‭ ‬اللغات‭ (‬اللغة‭ ‬الأزيرية،‭ ‬لغة‭ ‬أزناكه‭...) ‬وحلت‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬واللهجة‭ ‬العامية‭ ‬الحسانية‭ ‬محلها‭.  ‬

‭ ‬نخلص‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬آدرار‭ ‬موريتانيا‭ ‬شهدت‭ ‬منذ‭ ‬آلاف‭ ‬السنين‭ ‬تعاقب‭ ‬و‭ ‬تلاقح‭ ‬ثقافات‭ ‬مختلفة،‭ ‬خلفت‭ ‬إرثا‭ ‬ماديا‭ ‬عريقا‭ ‬كالمدن‭ ‬العتيقة‭ (‬شنقيط،‭ ‬وادان‭) ‬التي‭ ‬صنفت‭ ‬تراثا‭ ‬عالميا‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬اليونسكو‭ ‬سنة1996م،‭ ‬والمواقع‭ ‬التاريخية‭ ‬العامرة‭ ‬بالمنقولات‭ ‬الأثرية‭ ‬والرسوم‭ ‬والنقوش‭ ‬الصخرية‭ ‬التي‭ ‬تعبر‭ ‬بأسلوب‭ ‬فني‭ ‬عن‭ ‬ثقافات‭ ‬بائدة،‭ ‬كما‭ ‬خلفت‭ ‬تراثا‭ ‬لا‭ ‬ماديا‭ ‬غنيا‭ ‬تجسده‭ ‬الحكايات‭ ‬والأساطير‭ ‬والمرويات‭ ‬الشفوية‭. ‬التي‭ ‬تداخلت‭ ‬فيها‭ ‬الأسطورة‭ ‬بالحقيقية‭ ‬لتعطينا‭ ‬موروثا‭ ‬ثقافيا‭ ‬فريدا،‭ ‬تناغمت‭ ‬فيه‭ ‬ثقافات‭ ‬السود‭ (‬غانا،‭ ‬أودغست‭) ‬والبيض‭(‬بلاد‭ ‬المغرب‭). ‬كما‭ ‬مدته‭ ‬روافد‭ ‬ثقافات‭ ‬شعوب‭ ‬وأمم‭ ‬تعاقبت‭ ‬على‭ ‬المكان‭ ‬عبر‭ ‬الزمن‭ ‬فأثرته‭ ‬وأكسبته‭ ‬تمازجا‭ ‬وتنوعا‭ ‬قل‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬له‭ ‬نظير،‭ ‬فثقافات‭ ‬العصور‭ ‬الحجرية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬شواهدها‭ ‬ماثلة‭ ‬للعيان‭ ‬و‭ ‬ما‭ ‬تلاها‭ ‬من‭ ‬ثقافات‭ ‬بافورية‭ ‬وبربرية‭ ‬وصنهاجية‭ ‬و‭ ‬عربية،‭ ‬أكسبت‭ ‬آدرار‭ ‬فسيفساء‭ ‬ثقافية‭ ‬ثرية‭ ‬يمكن‭ ‬ملاحظتها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬الآدرارية‭.‬