مأساة غزة… متى يصحو الضمير الإنساني؟/تماد إسلم أيديه

ما يجري في غزة ليس مجرد مأساة عابرة أو أزمة طارئة، بل هو فصل متجدد من فصول النكبة المستمرة منذ أكثر من سبعين عامًا، حيث تتكرّر المجازر، ويُعاد إنتاج الظلم بأشكال أكثر وحشية وقسوة.
خمسة عشر شهرًا والعدوان مستمرّ، والضحايا يُحصَون بالآلاف، والموت يخيّم على كل زاوية، والدمار يبتلع البيوت والمستشفيات والمدارس. المجاعة تفتك بالأبرياء، والتهجير متواصل، فيما العالم يراقب بصمت، وكأن الدم الفلسطيني لا قيمة له.
العالم وشعاراته الزائفة
المفارقة الكبرى أن العالم الذي يدّعي التحضّر، ويسارع إلى فرض العقوبات واتخاذ المواقف الحاسمة في قضايا أخرى، يقف عاجزًا – أو متواطئًا – حين يتعلق الأمر بفلسطين. بل إنّ بعض القوى الكبرى لا تكتفي بالصمت، بل تمنح الاحتلال الغطاء السياسي والدعم العسكري، وتُجهض أيّ تحرك جادّ يمكن أن يوقف هذه المأساة المستمرة.
إلى متى يبقى العالم متفرجًا، مكتفيًا بالشجب والإدانة الفارغة، بينما يُقتل الأطفال تحت الأنقاض، وتُهجّر النساء، ويموت المسنّون جوعًا وعطشًا؟! أين تلك القيم التي يتغنّى بها الغرب عن حقوق الإنسان، والعدالة، والقانون الدولي؟! أم أن هذه القيم تُعلَّق حين يكون الضحية فلسطينيًا، عربيًا، مسلمًا؟!
وما يزيد الأمر فجيعة أن فلسطين ليست وحدها، فالنار التي تلتهم غزة تمتد إلى سوريا ولبنان واليمن، وكأن هناك مخططًا ممنهجًا لإشعال المنطقة وتفكيكها، دولة بعد أخرى. ومع ذلك، لا يزال العرب غارقين في سباتهم، منقسمين، مترددين، يكتفون بالمبادرات والمناشدات، بينما الاحتلال يمعن في القتل والتدمير، متسلّحًا بحصانة دولية ودعم غربي منحاز.
27 رمضان… المجازر في أقدس الليالي
ونحن نعيش اليوم السابع والعشرين من رمضان، ليلة القدر، التي يتضرع فيها المسلمون إلى الله، ويفتح فيها باب الرحمة والمغفرة، يواصل الاحتلال ارتكاب مجازره بحق الفلسطينيين، غير آبه بحرمة هذه الأيام المباركة. كم من أطفال استشهدوا وهم صائمون، كم من عائلات قُصفت وهي تدعو الله أن تنجو، وكم من أمهات فجعت بأبنائها في ليلة يفترض أن تكون للسكينة والسلام؟!.
لقد اعتدنا أن نرى الاحتلال يختار أقدس الأوقات ليزيد من بطشه، تمامًا كما فعل في المسجد الأقصى مرات عديدة، وكما يفعل الآن في غزة، وكأنها حرب على الإنسان، وعلى الدين، وعلى كل القيم التي يدّعي العالم المتحضر الدفاع عنها.
أليس من حقنا أن نسأل: من التالي؟! بعد فلسطين، وبعد سوريا ولبنان واليمن، أي بلد عربي سيكون على قائمة الاستهداف غدًا؟! إلى متى نظلّ ننتظر مصيرنا بدلًا من أن نصنعه؟!
التاريخ لن يرحم المتخاذلين
لن ينسى التاريخ هذا العصر الذي تواطأ فيه العالم على معاناة شعب أعزل، تُنتهك حقوقه على مرأى ومسمع من الجميع. وإن كانت الأنظمة الرسمية عاجزة أو متواطئة، فإن الشعوب لا تزال تنبض بالحياة، ترفع راية الحق، وتؤكد أن فلسطين ستبقى في الوجدان مهما حاولوا طمس قضيتها وتشويه روايتها.
إن هذه المرحلة التي تئن فيها غزة تحت وطأة الموت تتطلب أكثر من الاستنكار، وأكثر من البكاء على الأطلال. إنها تتطلب استراتيجية واضحة، تجمع بين المقاومة بكل أشكالها، وبين استنهاض الأمة من سباتها، لتستعيد إرادتها وتفرض معادلتها.
رسالتنا في ليلة القدر: لا ننسى غزة
في هذه الليلة العظيمة، التي يُستجاب فيها الدعاء، ويُكتب فيها مصير الأمم، علينا أن نوجه قلوبنا وأرواحنا إلى غزة، أن ندعو لهم بكل ما أوتينا من إيمان، ولكن لا نكتفي بالدعاء. غزة تحتاج إلى دعم حقيقي، إلى تحرك سياسي وشعبي، إلى وعي يتجدد كل يوم بأن هذه المعركة ليست معركة الفلسطينيين وحدهم، بل هي معركة كل أحرار العالم.
لقد علّمنا التاريخ أن الحقوق لا تُوهب، بل تُنتزع، وأن من يفرّط اليوم، سيدفع الثمن غدًا. فهل نصحو قبل فوات الأوان؟.