برنامج “تكافل” في موريتانيا.. ماذا لو تحولت الإعانة إلى طريق للخروج من الفقر؟

نواكشوط – التواصل (خاص):
على مدى سبع سنوات، دفعت الدولة الموريتانية تحويلات نقدية منتظمة إلى آلاف الأسر الأكثر فقراً عبر برنامج «تكافل»، ضمن سياسة واسعة للحماية الاجتماعية تستهدف تخفيف الفقر وتحسين الظروف المعيشية.
لكن بعد سنوات من استمرار البرنامج، يبرز سؤال أكثر صعوبة من مجرد حساب حجم الإنفاق:
ماذا لو لم تكن أفضل طريقة لمساعدة الأسرة الفقيرة هي الاستمرار في تحويل المال إليها، وإنما استخدام جزء من هذا المال لمساعدتها على إنتاج دخلها بنفسها؟
هناك دراسة للبنك الدولي تختبر النموذج عملياً، حيث إن حزمة الإدماج الإنتاجي رفعت النشاط الاقتصادي والادخار وملكية المشاريع لدى الأسر الفقيرة
في الوقت الذي تنفق فيه موريتانيا مليارات الأوقية سنوياً على برامج الدعم والتحويلات النقدية للأسر الأكثر فقراً، تطرح دراسة للبنك الدولي سؤالاً يتجاوز قيمة الإعانة نفسها، وهو هل يمكن تحويل الأسرة التي تتلقى المساعدة إلى أسرة قادرة على إنتاج دخلها بنفسها؟
تقدم الدراسة، التي حملت عنوان «أثر تدابير الإدماج الإنتاجي لبرنامج تكافل في موريتانيا» ونشرت في يناير 2025، واحدة من أهم الإجابات العملية على هذا السؤال، لأنها لم تكتفِ بالنقاش النظري، بل اختبرت حزمة من التدخلات الإنتاجية على أسر موريتانية مستفيدة من برنامج «تكافل».
من التحويل النقدي إلى النشاط الاقتصادي
وقد قامت التجربة على إضافة حزمة متكاملة إلى التحويلات النقدية التي تحصل عليها الأسر الفقيرة.
ولم تكن الحزمة عبارة عن تسليم مبلغ مالي فقط، بل جمعت بين منحة إنتاجية، والتدريب على إدارة الأنشطة الصغيرة، والمواكبة، والمهارات الحياتية، ومجموعات الادخار والائتمان، والتدريب على ريادة الأعمال، إلى جانب أنشطة تستهدف رفع الطموح والقدرة على اتخاذ القرارات الاقتصادية.
وفي التجربة الموريتانية، بلغت المنحة الإنتاجية المباشرة 9 آلاف أوقية جديدة، أي 90 ألف أوقية قديمة للمستفيد، بينما بلغت الكلفة الإجمالية للحزمة، بما فيها التدريب والمواكبة والإدارة وغيرها، نحو 573 دولاراً للمستفيد.
وهنا تكمن أهمية الرقم: فـ573 دولاراً لا تمثل مبلغاً يُسلّم للأسرة في يدها، وإنما تكلفة برنامج متكامل يفترض أن يحول المال إلى قدرة إنتاجية مستمرة.
ماذا حدث عندما أضيف الاستثمار إلى الإعانة؟
بعد متابعة الأسر المشاركة، وجدت الدراسة فروقاً واضحة بين الأسر التي حصلت على الحزمة الإنتاجية وتلك التي واصلت الاعتماد على التحويلات النقدية وحدها. إذ رفعت الحزمة الكاملة الاستهلاك اليومي للفرد المكافئ بنحو 8% مقارنة بمجموعة المراقبة. ولكن التأثير الأبرز ظهر في النشاط الاقتصادي.
فقد ارتفع رقم أعمال الأنشطة الاقتصادية بنحو 169 دولاراً سنوياً للمستفيد، وبنحو 137 دولاراً للأسرة، مقارنة بالأسر التي لم تحصل على الحزمة الإنتاجية.
وبالنسبة إلى الأسر نفسها، ارتفع احتمال امتلاك نشاط اقتصادي غير زراعي بنحو 17 نقطة مئوية.
كما ارتفع الادخار بنحو 27.5 دولاراً خلال ثلاثة أشهر لدى المستفيدين من الحزمة الكاملة، في مقابل نحو 4 دولارات فقط لدى مجموعة المراقبة.
أما المشاركة في مجموعات الادخار، فارتفعت بـ 37 نقطة مئوية في المجموعة التي حصلت على الحزمة الكاملة.
وتشير النتائج مجتمعة إلى أن تأثير التدخل لم يكن محصوراً في زيادة الأموال المتاحة للأسرة، وإنما امتد إلى قدرتها على الادخار والاستثمار وممارسة نشاط اقتصادي.
90 ألف أوقية ليست هي القصة
قد يبدو مبلغ 90 ألف أوقية قديمة صغيراً مقارنة بحجم الإنفاق الحكومي على برامج الحماية الاجتماعية.
لكن الدراسة تشير إلى أن المنحة المالية كانت جزءاً فقط من التدخل.
فالتجربة تقول عملياً إن إعطاء الفقير رأس مال من دون تدريب أو مواكبة أو ادخار قد لا يكون كافياً، كما أن التدريب وحده لا يعوض غياب رأس المال.
لذلك جمعت الحزمة بين العناصر المختلفة: رأس المال مع التدريب و المواكبة والادخار ثم الدعم النفسي والاجتماعي. وهذا تحديداً ما يجعل التجربة ذات أهمية بالنسبة لمستقبل «تكافل».
ماذا تعني النتائج بالنسبة لموريتانيا اليوم؟
بحسب بيانات الوكالة الموريتانية للأنباء، أنفقت المندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء «التآزر» أكثر من 249 مليار أوقية قديمة منذ إنشائها على الحماية الاجتماعية ومحاربة الفقر وتحسين الظروف المعيشية للفئات الهشة.
لكن هذا الرقم لا يمثل التحويلات النقدية وحدها؛ فهو يشمل قطاعات وبرامج متعددة، بينها التعليم والصحة والمياه والكهرباء والتأمين الصحي والتمكين الاقتصادي، إضافة إلى التحويلات والمشاريع الإنتاجية.
وفي الوقت نفسه، ارتفع عدد الأسر المستفيدة من «تكافل» من نحو 30 ألف أسرة في بداية البرنامج إلى أكثر من 120 ألف أسرة في السنوات الأخيرة.
وبالتالي، فإن السؤال لم يعد فقط: كم تنفق الدولة على الفقر؟ بل أصبح: كم من هذا الإنفاق يذهب إلى مساعدة الأسرة على التخلص من الحاجة إلى الدعم مستقبلاً؟
حساب مختلف لتكلفة «تكافل»
وفق مستويات التحويلات الرسمية التي عرفها البرنامج منذ انطلاقه، ارتفعت الدفعة الفصلية للأسرة تدريجياً من 1500 أوقية جديدة في المرحلة الأولى إلى 2200 ثم 2900، قبل أن تصل إلى 3600 أوقية جديدة كل ثلاثة أشهر.
وبناءً على افتراض نظري لأسرة واحدة ظلت مستفيدة بصورة متواصلة منذ 2019 وحتى نهاية 2026، فإن مجموع التحويلات الأساسية التي كانت ستتلقاها يبلغ نحو 84,400 أوقية جديدة، أي 844 ألف أوقية قديمة.
لكن هذا الرقم ليس متوسط ما تلقته كل أسرة في البرنامج، وإنما حساب افتراضي لأسرة بقيت مستفيدة طوال الفترة، ولا يشمل التحويلات الاستثنائية أو المساعدات الغذائية أو الخدمات الصحية أو تكاليف إدارة البرنامج.
ومع ذلك، فإنه يقدم زاوية مختلفة للنقاش.
فالأسرة يمكن أن تحصل على مئات آلاف الأوقية على مدى سنوات في شكل دعم استهلاكي متكرر، بينما يمكن أن تحصل أيضاً على رأس مال إنتاجي مصحوب بالتدريب والمواكبة بهدف خلق مصدر دخل مستمر.
وهنا تظهر المفارقة، فهل الأفضل أن تحصل الأسرة على المال كل ثلاثة أشهر، أم أن تحصل على فرصة تمكنها من إنتاج دخلها الخاص كل شهر؟
تجربة البنك الدولي تقدم جزءاً من الإجابة
لا تجيب الدراسة عن السؤال بمعنى أن جميع الأسر يمكن إخراجها من الفقر بمجرد منحها مشروعاً.
كما أنها لا تثبت أن كل مشروع سيستمر أو يحقق دخلاً ثابتاً.
لكنها تقدم دليلاً ميدانياً مهماً على أن إضافة الإدماج الإنتاجي إلى التحويل النقدي تحقق نتائج اقتصادية أقوى من الاعتماد على التحويل وحده في عدد من المؤشرات.
وهذا يعني أن التحويل النقدي يمكن النظر إليه ليس فقط باعتباره وسيلة لتخفيف الفقر الحالي، بل أيضاً باعتباره منصة لبناء قدرة اقتصادية مستقبلية، إذا أحسن توجيهه.
كم يكلف إخراج الأسرة من دائرة الإعانة؟
هذا هو السؤال الذي يستحق أن يتحول إلى محور للسياسة العامة.
فدراسة البنك الدولي قدرت تكلفة الحزمة الإنتاجية الموريتانية في التجربة بـ 573 دولاراً للمستفيد، وهي تكلفة تشمل المنحة والتدريب والمواكبة ومجموعات الادخار والعناصر الأخرى للبرنامج.
وبالمقابل، فإن التحويلات النقدية تستمر ما دامت الأسرة داخل نظام الحماية الاجتماعية.
وبالتالي، فإن المقارنة الصحيحة ليست بين 90 ألف أوقية قديمة و573 دولاراً؛ لأن الرقم الأول هو قيمة المنحة الإنتاجية، بينما الثاني هو تكلفة الحزمة بأكملها.
لذلك فإن المقارنة الأهم هي بين نموذجين:
نموذج ينفق بصورة متكررة لمساعدة الأسرة على مواجهة الفقر، ونموذج يستثمر مرة أو على مراحل في قدرة الأسرة على خلق دخل مستمر.
من «مستفيد» إلى «منتج»
وقد بدأت تجربة «تكافل» نفسها تتحرك في هذا الاتجاه.
فالمندوبية العامة لـ«التآزر» أعلنت خلال السنوات الماضية تمويل آلاف الأنشطة الاقتصادية، بينها المتاجر والمطاحن والمشاريع الزراعية والحيوانية، في محاولة للانتقال من مجرد تقديم الدعم إلى التمكين الاقتصادي. ولكن التحدي الحقيقي يكمن في حجم هذا التحول ومدى استمراريته.
فإذا كان الهدف النهائي هو إخراج الأسر من الفقر، فإن نجاح البرنامج لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الأسر التي حصلت على التحويلات، وإنما أيضاً بعدد الأسر التي بدأت مشروعاً، وراكمت مدخرات، ورفعت دخلها، وتوقفت عن الحاجة إلى التحويلات.
وهذه هي النقطة التي يمكن أن تعيد تعريف نجاح «تكافل».
السؤال الذي لا تزال الإجابة عنه غائبة
بعد سنوات من تنفيذ البرنامج، لا يكفي أن نعرف كم أسرة تلقت الأموال. بل السؤال الأهم هو كم أسرة خرجت فعلياً من «تكافل» لأنها أصبحت قادرة على إعالة نفسها؟
وكم أسرة انتقلت من تلقي الدعم إلى امتلاك مشروع؟
وكم من المشاريع التي مولتها الدولة لا تزال تعمل بعد عامين أو ثلاثة؟
وكم يبلغ متوسط الدخل الذي تولده هذه المشاريع؟
وما تكلفة كل أسرة يتم إخراجها بصورة مستدامة من دائرة الفقر؟
إذا أمكن الإجابة على هذه الأسئلة بصورة دورية وشفافة، فإن موريتانيا ستنتقل من قياس حجم الإنفاق على الفقراء إلى قياس العائد الاجتماعي والاقتصادي لهذا الإنفاق.
وهنا ربما يكون الدرس الأهم من تجربة البنك الدولي: ليس المطلوب بالضرورة إلغاء التحويلات النقدية، وإنما استخدامها كبداية لمسار اقتصادي ينتهي بالأسرة إلى الاستقلال عن الإعانة.
فالتحويل يساعد الأسرة على البقاء اليوم، أما الاستثمار الإنتاجي فيفترض أن يساعدها على إنتاج دخلها غداً.
وفي بلد يواجه تحديات كبيرة في تشغيل الشباب ومحاربة الفقر وتوسيع قاعدة النشاط الاقتصادي، قد يكون السؤال الأكثر أهمية في السنوات المقبلة ليس كم مليار أوقية أنفقنا على الفقر؟ بل كم أسرة استطاعت هذه المليارات أن تخرجها من الفقر بصورة نهائية؟







