بالصوت والصورة

تابعنا على فيسبوك

في الذكرى السنوية لسقوط طرابلس... الأمورُ بخواتيمِها!

اثنين, 18/05/2020 - 02:11

*مصطفى قطبي – المغرب (خاص/ التواصل)

يستحضر الشعب الليبي ذكرى سقوط طرابلس، في العشرين من رمضان / 20 أغسطس 2011 واحتلال ليبيا من قبل حلف الناتو، تحت ذريعة ثبت بطلانها وزيفها، ''حماية المدنيين'' من بطش قوات القذافي... ! ذريعة استخدمتها دول حلف الناتو في محاولة للتغطية على غزوها ليبيا واحتلاله، متحدين المجتمع الدولي في انتهاك صارخ لكل القوانين الدولية وشرعة الأمم المتحدة بهدف تدميره إنسانا وأرضا وتفتيته والسطو على مقدراته وثرواته. الليبيون وكما هو متوقع استبسلوا في الدفاع عن بلدهم في وجه الغزاة وصمدوا في مواجهة الأسلحة المحرمة دوليا، ولعل أحداث عام 2010 التي هزت ليبيا لم تعد بخافية على أحد، حيث ثبت الفرنسيون أنفسهم في بنغازي شرق ليبيا التي كانت بعيدة ومنذ زمن طويل عن النزعات الانفصالية والخطط الاستعمارية التي وضعتها دول محور التحالف الثلاث وهي: (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا) للإطاحة بالرئيس القذافي.

ومن المؤكد أن القذافي قتل برصاص الناتو بحقد كبير، معمر القذافي أردي قتيلاً وبطريقة وحشية لا تمت إلى الإنسانية بصلة وهم الذين يأتون إلينا بإسم الإنسانية. فهذا الغرب ''الإنساني'' عمل وبقوة على زعزعة الاستقرار والأمن حتى في البلاد الأكثر ازدهاراً في القارة الإفريقية، ولعل ليبيا مثال واضح على ذلك فقد سجلت أعلى مؤشر للتنمية البشرية في البلدان الإفريقية، وهي البلد الذي تسلم فيه الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي جائزة من منظمة الأمم المتحدة عن المشاريع التنموية والإنسانية، والمرأة في ليبيا كانت تتمتع بحقوق جيدة، وتعتبر ليبيا البلد الذي تبرع بالملايين لمصلحة مشاريع التنمية لعموم دول إفريقيا مثل التعليم عن بعد والدخول في دراسة العديد من المجالات كالطب والهندسة عبر ''النت''. وليبيا هي البلد الذي انتقد علانية العودة إلى العصور المظلمة، وندد بكل من يقف على الحياد أو يتقاعس عن محاربة الإرهاب. والجدير ذكره أن ما قامت به كل من هيلاري كلينتون وديفيد كاميرون ونيكولا ساركوزي، في ليبيا يدعو إلى الأسف ولاسيما أن تلك الدول كانت ولا تزال ترفع الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان شعاراً لها.

لقد حول حلف الناتو ليبيا إلى بلد تفوح من شوارعه رائحة الموت والخراب والدمار، وتلتهم مدنه نيران الأطلسي ويتجاهلون عمداً، بأن غيرة بلدان حلف الناتو، ليس على أبناء ليبيا وإنقاذهم من نيران قوات النظام، بل جل ما يشغل بالهم، كيف يمكن الحصول على حصة أكبر من الثروة الليبية النفطية والغاز الليبي؟ ألم يفهموا لعبة التراجع الأميركي في بداية حرب الأطلسي على ليبيا وإعلانها أن قتل القذافي لا يندرج في أهدافها، ولكنها سرعان ما عادت لتشارك في عمليات إبادة ليبيا وشعبها طمعاً بالذهب الأسود، وأن مواقف أوروبا وأميركا تتحد وفق مصالح الدول الغربية، ولكن العامل الخطير اليوم في الحدث الليبي، ان أطراف عربية تشارك بحماس لخدمة أسيادها الأمريكان في أرض الأشقاء، ولكن الشعوب العربية لن تنس الجرائم التي يرتكبها حكام بعض الدول العربية بحقها.

وتبدو التصريحات التي أدلى بها آنذاك، وزير الدفاع الفرنسي ''جيرار لونغيه'' لوسائل الإعلام مباشرة بعد مقتل العقيد معمر القذافي ودخول المعارضة إلى سرت، في غاية الأهمية، وهي تبرز بشكل واضح وجلي طبيعة الأطماع التي حركت الحلف الأطلسي، وخلفيات الحملة الشرسة على ليبيا، وقد أعلن الوزير الفرنسي في حديث نشرته صحيفة ''لوموند'' أن فرنسا تنوي لعب دور ''شريك أساسي'' في ليبيا التي يعلم قادتها الجدد أنهم ''مدينون لها كثيراً''، وأضاف ''لونغيه'' للصحيفة أنه حين يسود الاعتقاد أن فرنسا كانت في طليعة العملية العسكرية التي انطلقت في مارس، إن باريس ''ستجتهد لتلعب دور شريك أساسي في بلد يعلم قادته أنهم مدينون كثيراً لها'' وتابع لونغيه يقول أن ''بلدان التحالف ستتخذ على الأرجح مواقف أكثر ثنائية في علاقاتها مع ليبيا وستحاول كل واحدة منها الاستفادة من ذلك''. وواصل في نفس السياق مؤكداً بأنه '' لن نكون الأخيرين...لم يكن تدخلنا متأخراً ولا رديئاً ولا مشكوكاً فيه، وليس لدينا ما يجب أن نطلب الصفح عنه''.

عندما بدأت ما يسمى انتفاضة الشعب الليبي، لم تكن الصورة واضحة تماماً، فهؤلاء المنتفضون نادوا بالحرية والديمقراطية والإصلاحات، وأن انتفاضتهم ذات طابع سلمي، لأن جل ما يهدفون اليه إصلاح أوضاع بلدهم والمساواة والعدالة، ولكن المدهش، السرعة التي تميزوا بها في رفع السلاح واستخدامه ضد الحكومة، واعتصامهم في بنغازي وتحويلها عملياً إلى عاصمة أخرى في ليبيا، وبدأت معارك الكر والفر التي بدت وكأنها لا نهاية لها، وبدلوا العلم الأخضر الليبي بالعلم الذي كان في عهد الملك السنوسي، ورفعوا شعاراً مغرياً ومحبباً لدى الشعب الليبي والمقرون بالنضال ضد الاستعمار الفاشي الإيطالي، شعار المجاهد الوطني الكبير عمر المختار : ''نحن لا نستسلم، ننتصر أو نموت''.

وبعد أن طالبت الجامعة العربية من مجلس الأمن إصدار قرار لفرض حظر جوي على ليبيا تحت ذريعة واهية ومنافقة ''حماية المدنيين'' من بطش قوات القذافي، والتي ترافقت بحملة إعلامية من قبل فضائيات تتكلم بالعربية، اتسمت بنهج تضليلي فاضح حول حقيقة ما يجري على أرض الواقع في ليبيا، وسرعان ما تبين ان هذه الحملة مبرمجة، وأساليب التشويه والتزييف والفبركات الإعلامية، مجهزة مسبقاً، لتقوم بدورها التخريبي ضد الشعب والوطن الليبي وبغض النظر عن أخطاء نظام القذافي، التي استغلت وضخمت لنفس الأهداف الخبيثة التي تمارسها ضد بلدان عربية أخرى. واكتشف الشعب الليبي وكل الحريصين على وحدة أراضيه واستقلاله، أن شعار المجاهد عمر المختار الذي تلطى وراءه من يدعون الثورية والمعارضة، ليس سوى يافطة، لو كان عمر المختار حياً، لنزعها من أياديهم، لأن شعاره كان الشرارة التي فجرت ثورة الشعب الليبي ضد المحتل الإيطالي الفاشي، رغم أن عمر المختار دفع حياته ثمناً لها لكي تبقى مرفوعة بأيدي الوطنين الأحرار، الذي أريقت دماؤهم دفاعاً عن حرية واستقلال وطنهم، وحققوا الانتصار .

والشعب الليبي المتمسك بوطنيته وحريته وحرية وطنه، رفض أن يكون شعار التضحية من أجل الوطن، شعاراً لاستعباد الوطن وإعادته لحظيرة المستعمرين الجدد المتمثلين بحلف الأطلسي العدواني، الذي حرم الشعوب والبلدان التي تعرضت لهجماته الاستعمارية وتدميره للأوطان التي حل بها، الحرية والاستقلال والديمقراطية حتى بأبسط أشكالها، وكان من الحكمة أن نتعظ من دروس التاريخ ونتعلم المصير البائس الذي آلت إليه دول كثيرة، كانت هدفاً لكواسر العصر الإمبريالي ورأس حربته حلف الناتو الذي تتزعمه الامبريالية الأميركية، التي لم تطأ أقدام جنودها بلداً إلا وتحول إلى بلد مدمر تفتك فيه أبسط الحريات وتنتهك فيه كرامات المواطن والوطن.

وكم كان يحز في نفس أحرار العالم، كيف كان يصرخ ''الثورجيون'' مطالبين حلف الناتو بالتدخل البريء لإنهاء نظام القذافي، وعبروا عن فرحتهم وسعادتهم بقصف أبناء جلدتهم بصواريخ الناتو التي قتلت المئات ويذهب ضحيتها المدنيين الأبرياء، وآخرها ابن القذافي الأصغر وثلاثة من أحفاده، إن من يفرح بتدمير بلده ومقتل شعبه على أيدي الغزاة الجدد، لا يمكن أن يوصف إلا بارتكابه الخيانة الوطنية العظمى. وللأمانة التاريخية، فقد جامل مصطفى عبد الجليل وعبد الرحمن الكيب حلف ''الناتو'' بدماء 50 إلى 60 ألف ليبي، بحيث هذه الدماء هي من أوصلتهما إلى كرسي السلطة... إذاً، المصلحة مشتركة، ولأنها كذلك وجب تبرئة الناتو، من جريمة قتل هؤلاء بدم بارد... ولتكون البراءة ناجزة وثقها عبد الجليل والكيب بتحقيق رسمي زعما أنهما أجرياه بعد تصاعد المطالب الروسية-الصينية بكشف جرائم الحلف في ليبيا خلال القصف الذي نفذه طول أشهر على مدنها وقراها. ذلك التحقيق ونتيجته النهائية قد تكون بمنزلة نقطة آخر السطر، وبعدها يقفل الملف، لكننا من خلال هذه القضية نستطيع أن نفهم لماذا وصلت ليبيا إلى هذا الحال والاقتتال وصولاً إلى الانقسام.

عبد الجليل والكيب هانت عليهما دماء الليبيين، ورخُصت فرخُص الوطن، لم يرف لهما جفن وهما يبرئان القاتل، ولم تهتز شعرة كرامة في وجدانهما وهما يعلنان تلك البراءة، وكأنهما ينتميان إلى شعب وبلد آخر غير ليبيا، وكأن ''الثورة'' التي وضعتهما على كرسي السلطة هي للوجاهة فقط.

هذا الوضع يعيدنا بأسى شديد إلى تصريحات قالها محمود شمام ـ وزير الإعلام في أول حكومة ليبية بعد اغتيال القذافي. سُئل شمام عما إذا كانت ليبيا تواجه مخاطر التحول إلى صومال جديدة إذا فشلت السلطات الانتقالية في إعادة سلطة الدولة وهيبتها. ورد شمام: في ليبيا يوجد المال والسلاح والمسلحون، وكل ما يمكن أن يحولها إلى ''صومال 7 نجوم'' وهذا أمر خطر جداً. ويضيف شمام: لكنني أعتقد أن أصدقاءنا على البحر المتوسط وما وراء البحر المتوسط لن يسمحوا بذلك. ''شمام'' قال ذلك بثقة، كان مقتنعا بالنيات الحسنة لمن سماهم أصدقاء، لم يذكر العرب ولا جامعتهم، هؤلاء الأصدقاء اليوم يهمهم مناطق النفط فقط وهي آمنة لهم ينهبون منها ما يشاؤون، ولتذهب بقية ليبيا إلى الجحيم... الصومال اليوم جنة مقارنة بليبيا.

في ذكرى سقوط طرابلس، أنا هنا باسم ملايين الليبيين الشرفاء والأحرار، أقول بأني لن أغفر ولن أنس، من دمروا ليبيا، وأعتقد أن الرئيس الفرنسي ''ساركوزي'' يجب أن يحاكم على ارتكابه أفظع الخطايا بحق الليبيين حين ساهم بتدمير بلادهم، وكيف أساء هذا الرئيس الفرنسي لليد التي امتدت إليه وساهمت في وصوله إلى الحكم، بأن ساهم في تدمير الجيش الليبي ولعب دورا مميزا في القضاء على الرئيس القذافي، وتقول بعض المصادر أنه من أصدر الأوامر للمسلحين بقتله على الفور، رغم أن الرئيس الليبي كان قد قدم له خمسين مليون يورو من أجل حملته الانتخابية، وبناء على ما ورد في معلومات صحفي عربي من أن رجل أعمال لبناني فضح ''ساركوزي'' بالقول أنه من حمل إليه أموال القذافي. وإذا كانت في هذا العالم عدالة دولية، يجب أن يقدم للمحاكمة، كذلك البريطاني رئيس الوزراء الأسبق، ''كاميرون'' الذي لعب دور التنسيق مع ''ساركوزي'' في عملية تدمير ليبيا. ولكي تكتمل صورة التآمر على ليبيا، لعبت هيلاري كليننتون دورا مهما أيضاً حتى أنه تم تسمية ذلك بحملة كلينتون.

ومن واجب مجتمعات هذه الأسماء محاسبة هؤلاء السياسيين إلى حد إنزال العقوبات بحقهم بما ارتكبوه عن سابق إصرار وتعمد من تدميرهم المباشر للدولة الليبية... والليبيون مطالبون عند خلاص بلادهم، من الادعاء على هؤلاء أمام المحاكم الدولية، لكن للحقيقة وللتاريخ، يبقى أنّ أمين عام جامعة الدول العربية ''عمر موسى'' له اليد الطولى في ما جرى لليبيا بإعطائه الموافقة الكاملة بل الإشارة على ارتكاب هؤلاء جريمة إسقاط ليبيا في هذا الأتون... فمن يحاكم... ثم هنالك من وقف إلى جانب ''موسى'' في قراراته وكان متحمسا للفعل المزري الذي صار. من حقنا جميعا أن لا نغفر وأن لا ننسى.

في كل الأحوال، لا بد من حل لليبيا مهما طال الوقت والزمن، ومهما استفحلت الأمور واتخذت منحى صعب التصور... وستظل بالتالي ذكريات السنين الأليمة التي مرت على ليبيا، تقدم الدليل على الانغماس الدولي في تخريبه، مع تمنيات خلاص ليبيا من الوضع الاستثنائي القاتل الذي تعيشه والذي دفع بأبناء ليبيا المستقرة إلى الفرار منها أو محاولة التعايش داخلها، ضمن أوضاع غير إنسانية وقلقة نتيجة التدهور الداخلي الذي أنتج حالة ميؤوس منها، أدت إلى تقسيم البلاد بين قوى متصارعة. وزيادة على ذلك، تحولت ليبيا إلى مركز عالمي للإرهاب، ومجمع للميليشيات والمرتزقة على مستوى العالم، بل إن هنالك أكثر من مركز تدريب لهذه القوى التي قدم معظمها من دول مجاورة، فيما تؤكد المعلومات أن جزءا مهما تم نقله بطرق مختلفة من سوريا عبر تركيا إليها.

 ---------------------------

باحث وكاتب صحافي من المغرب.