أستاذ ادب عربي  ينتصر لمفاهيم اللغة العربية ....هوامش على "دائم الهرير"

اثنين, 13/05/2019 - 23:09

في مقاله "دائم الهرير" اختار الكاتب إكس ظاهرة الاستنباح فضاء لمقاله، فأصل وحدد المفهوم، وأسقط ذلك على الكنتي.. ورأيت من أصدقائنا من أعجب بالمقال، وحين قرأته وتجاوزت ما فيه من لعب بالكلمات، ما وجدت غير صور مبعثرة متناقضة، ومعان متضاربة. وهل يوجد في عالم الكتابة خطأ أفظع من التناقض والخطأ في الإسقاط؟

1- إن بتر ظاهرة الاستنباح من سياقها المدحي وجعلها في سياق قدحي، غير مستقيم من الناحيتين النفسية والثقافية، والصحيح هنا الحديث عن النباح والنابح والمنبوح، لا عن الاستنباح والمستنبح (بكسر العين) والمستنبح (بفتحها). مع الاعتماد على صورة الكلب الحضري لا البدوي.

- اللجوء إلى الذاكرة العربية، وتحديدا البدوية لاستجلاب الكلب لا يستقيم نفسيا وثقافيا مع المعنى المراد، فالكلب رفيق العربي، ومضرب المثل في الوفاء، فهذا علي بن الجهم يصف الخليفة المتوكل بالكلب:

أنت كالكلب في حفاظك للود @ د وكالتيس في قراع الخطوب

وذهب د. شوقي ضيف إلى أن الجاحظ في مناظرته بين الكلب والديك جعلهما رمزين للعرب والروم، فهل قصد الكاتب مدح الكنتي أم هجاءه؟

- استدعاء "الدهناء" و"دارين" للجماعات المتغزونة ذم ما بعده ذم، فقد اقترنت المدينتان برحلة اللصوص من الدهناء خفاف العياب، وعودتهم من دارين بجر الحقائب:

"يمرون بالدهنا خفافا عيابهم @ ويرجعن من دارين بجر الحقائب"

ولعلك تلاحظ أن فكرة طرد الكنتي للوافدين محورية في النص، وأن الكاتب ينقم ذلك عليه، ولو كان استخدم "الحوأب" ونباح كلابه لجماعة عائشة لكان للأمر معنى، فوصف شيوخ معارضين بالتيه أو بالتغرير بهم أسهل من جعلهم سراقا ينتجعون "دارين"، وأقرب أيضا إلى واقعهم. ولعل الطريف أن الكاتب إكس وقع على الكنتي في هذا المعنى وقوع الحافر على الحافر.

- "دائم الهرير" صفة محمودة في الكلب مرادفة لجبنه، ومن الكرم أن يستمر الكلب فيها.

- عند الاستنباح يكون نباح الكلب فاتحة خير، وبارقة أمل، نزولا عند رغبة المستنبحين، أو - بمعنى آخر - استجابة مطلوبة، وهنا يتبين عرج الإسقاط وتناقضه: هل كان المتغزونون يبحثون عمن يدمي ظهورهم؟ أم كان الكنتي يكرمهم والكاتب يسيء فهم ذلك الإكرام؟ إن الكلب المسيء لا يمكنه أن يكون استجابة لمنبه الاستنباح!

حتى الآن الصورة واضحة: المتغزونون جماعة من اللصوص تائهون، استنبحوا، فأجابهم كلب نباح عند خيمة الرجل الكريم غزواني، وإن أضفت إلى ذلك كون العرب تستخدم (فلان جبان الكلب) للدلالة على الكرم (كناية عن صفة) بان لك أن الكاتب مدح غزواني ومدح الملحق به وهو كلبه الوفي الذي يهدي التائهين، وهجا المتغزونين، فهل كان يقصد ذلك؟

- يقول الكاتب: "ﻓﻬﺮَّ ﻛﻠﺐ ﻓﻲ ﻭﺟﻮﻫﻬﻢ، ﻓﺘﻨﻮﺭﻭﺍ ﻧﺎﺭ ﺍﻟﺤﻲ ﻣﻦ ﺑﻌﻴﺪ" في هذه الفقرة نجد ارتباكا شديدا، حيث الهرير صوت الكلب دون النباح، ومن جعله نباحا - كابن منظور - قيده بالتكشير عن الأنياب، ولا يكون ذلك من الكلب إلا عند مداهمته، والقرب منه، ومعلوم أن الكلب لا يبيت في الخلاء، فكيف سمح الكاتب لكلبه أن يكون قريبا جدا من التائهين، ويهديهم بنباجه إلى نار بعيدة، هذه الصورة لا تستقيم عقلا إلا في حال تسليمنا بأن الكلب كان تائها، وتحدث للتائهين بلسان فصيح قال لهم: انظروا ناحية كذا فثمة نار وناس!

- وقال أيضا: (ﻭﺍﻟﻴﻮﻡ ﺳﻨﻄﻠﺐ ﻣﻨﻪ ﺇﺳﻜﺎﺕ " ﺩﺍﺋﻢ ﺍﻟﻬﺮﻳﺮ") سبق أن أشرت إلى أن دوام الهرير صفة محمودة في الكلب، دالة على كرم صاحبه، والتائهون أحمد الناس لتلك الصفة، وما سمعنا على طول الأدب العربي وعرضه وطول تاريخ العرب بجماعة تائهة تطلب من مالك كلب نباح أن يسكت كلبه!

وإذا ألقينا نظرة عامة على "المقال" سنجد حقل الاستنباح الدلالي مسيطرا عليه ومن علاماته الدالة: (الاستنباح - الكلب - دائم الهرير...) وهذا الحقل يحيل على المدح لا على الذم، وبالتالي نحن أمام تناقض رهيب: كاتب أراد أن يذم فمدح، وجاء بما يخالف الثقافة العربية التي استدعى منها الاستنباح.

- حاصله أن الكلب البدوي ليس كالكلب الحضري، وأن كلاب الدهناء ودارين ليست ككلاب الحوأب، وأن المتغزونين تائهون - حسب نظرة من يعارضهم - لا سارقون.

- هامش أخير: ما كتبته ليس دفاعا عن الكنتي الذي لا تجمعني به خلفية إيديولوجية ولا حزب سياسي، وليس فقيرا لدفاعي عنه، كما أنه ليس هجوما على كاتب المقال، وإنما هو قراءة لمنجز أدبي بمجرد نشره صار ملكا لقرائه. والكتابة لا تعني اللعب بالألفاظ واستدعاء الذاكرة الشعرية، فمثل ذلك يجذبك لأول لحظة، لكنك تكتشف بعد الفحص أنك جالس في العراء..

هذا رأيي، وتلك براهيني:

"فهاكموها جاد منها عارض @ فسلموا مضمونها أو عارضوا"

الاستاذ المدون ممو الخراش