السياسة فن المستحيل (تحت السلطة)

سبت, 04/05/2019 - 20:50

أكبر معضلة تواجه الباحث أو المهتم و المتابع للساحة السياسية هو خانة التصنيف و هذا راجع إلى التركيبة البنيوية السياسية و أنعدام الفرق بين المعارضة و الموالاة بالمفهوم اﻹيديولوجي و التنظيمي أو النظامي فمن الصعب جدا وضع خانة دقيقة و علمية حيث الموالاة و المعارضة بجناحيها أو أجنحتها التقليدية و خلال حقب اﻷنظمة المتعاقبة على السلطة و أجهزة الحكم تكاد تختفي المعارضة فعلى سبيل المثال أول من يبارك اﻷنقلابات قيادات تحسب على المعارضة أول من يبرم الصفقات تحت الطاولة هم شخصيات من الصفوف اﻷمامية من المعارضة و هكذا فالموالاة ليست إلا قولبة شكلية كما و نوعا من جناح المعارضة و هكذا دواليك لعبة خلط اﻷوراق و أسلوب (شنكة بنكة) في الموروث اللغوي الشعبي 
فمواسم هجرة البطاريق التي أشرنا إليها في مقالات سابقة لا تبدأ إلا في فترة التزاوج اﻷنتخابي حيث التداخل و التشابك بين الموالاة و المعارضة في تناسق و أنسجام حميمي قل نظيره في عالم السياسة و التظير الديماغوجي فسرعة تغيير اﻷتجاه و إبرة البوصلة نحو النقيض و بزاويا لا هندسية و معادلات لا رياضية تجعل من المستحيل تحديد بشكل مهني أو علمي أو فلسفي أو تنظيري أو أفتراضي الواجهة النهائية لمسار الرحلة 
لا شك أن هناك عوائق و مطبات تواجه الفكر السياسي الفلسفي و تأسيس قاعدة تحوي و تستوعب الموالاة و المعارضة حسب اﻷهداف و اﻷغراض و النوايا و الخطط و المناهج و اﻷستيراتجيات و هنا اﻷستنتاج المر حيث لا موالاة تدوم و لا معارضة تقاوم  أي أن الهيكل التنظيمي السياسي الحزبي ليس إلا (معاجين) تتشكل حسب  معطيات الساحة الظرفية الزمكانية و بالتالي نحن أمام هيكل هلامي خرافي و زئبق لا تمسكه اليد في مكبات ونفايات السياسة
هذا التشخيص لحالة نادرة قد تكون عينة دراسة لتفاهة اﻷنتماء الحزبي السياسي الذي لا يبنى على أساس قناعة اﻷنتماء و نية الذود عن البرامج و الخطط لتكون واقعا ملموسا و تدفق لمياه التغيير و البناء من منابع الفكر و الطرح و الدراسة العلمية و معطيات الخارطة الجيوسياسية و بنظرة بسيطة عفوية إلى كبريات الديمقراطيات لا نرى إلا قطبين يسعى كل منهما للنهوض (لا أقصد نهوض اسنيم) بالمجتمع و تطوير آليات تنفيذ ذلك و بالتالي الناس لا تهتم باﻷنتماء الحزبي بقدر أهتمامها بالمشاريع و اﻹنجازات على أرض الواقع بينما في موريتانيا اﻷحزاب السياسية منتشرة كباعة الرصيد و الداخلية طائية في منح التراخيص لمن هب و دب و هذا في حد ذاته أمر في غاية الغرابة و برهان ساطع على تفاهة السواد اﻷعظم من الأحزاب السياسية الحقائبية من حيث أعداد المنتسبين و القواعد الشعبية و تنفيد البرامج التي لا توجد أصلا ﻷن الهدف منها تشريع الحكم و بالطرق و اﻷساليب و الوسائل المعروفة
ارسل لي احد اﻷصدقاء مقالا رائعا بعنوان (أفكار حول التملق و العسكر نقاط و مفاهيم) لصاحبه الولي طه هو مقال جيد و طرح رائع و منطقي و تحليل يستند إلى معطيات واقعية رغم تحفظي على بعض اﻷفكار و الجزئيات الواردة لكن الذي أثار حفيظتي هو هو نقطة مفادها ( من كان مدنيابقوة القانون فهو مدني بلا مزايدة ) في إشارة واضحة الدلالة للمرشح الجنرال السيد ولد الغزواتي   و هنا أود توضيح ان العسكري يغادر الخدمة العسكرية في حالتين اﻷولى التقاعد المبكر أو العمري و في هذه الحالة  فهو ضمن لائحة قوات اﻷحتياط و الثانية المطرود أو الهارب من العسكرية و في هذه الحالة فهو فاقد بشكل تلقائي من الحقوق المادية و اﻷعتبارية و محروم من مزاولة العمل في القطاع العمومي قضية البذلة المدنية لحاكم عسكري تشبه إلى حد كبير قضية سلوفات البنوك على الطريقة اﻹسلامية و هي تغطية الربا بعباءة شرعية 
خلاصة القول أننا بحاجة إلى (فرمتة) و إعادة تعبئة الفلاش ديسك بنظريات و مقاربات و إشراك جميع الطاقات و اﻷطر و المثقفين من المستقلين المحايدين و من الموالاة و المعارضة اللذين هما وجهان لعملة واحدة و هذا لغياب أي أستيراتجية أو طروح موضوعي لما يجب ان تكون على اﻷمور على اﻷقل على المستوى القريب ناهك عن البعدين المتوسط و البعيد
اﻷستاذ و الباحث عبدو سيدي محمد