عزيز وغزواني أو بوتين وميدفيديف موريتانيا: لماذا لا تزكي أحزابنا السياسية مرشحيها للانتخابات الرئاسية؟

اثنين, 11/02/2019 - 21:06
الرئيس محمد ولد عبد العزيز ورفيق دربه الجنرال محمد ولد الشيخ محمد احمد الغزواني

قرر رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز اختيار صديقه ورفيق دربه الجنرال محمد ولد الشيخ محمد أحمد الغزواني مرشحا ليخلفه في منصبه رئيسا للجمهورية، وذلك في غياب آليات ديمقراطية لاختيار مرشحي الحزب الحاكم للانتخابات الرئاسية والنيابية والبلدية.

وبتزكيته لرفيق دربه وصديقه الشخصي تداعت رموز نظام الحكم لتزكيته ودعم ترشيحه وكذلك الأطر والوجهاء وغيرهم

ورغم أن سمعة الرجل طيبة ولم يسبق له أن ظهر بشكل مباشر في أي محفل سياسي وطني، ولم يشتهر بسوء سمعة في مجال تسيير المال العمومي، إلا أن آلية الانتقاء الشخصية تبدو غير ديمقراطية وغير شفافة وتجسد نظرية الخضوع لمشيئة الحاكم التي هي تأكيد للاستبداد وليست خيارا سياسيا لحزب جماهيري كبير يحكم الجمهورية ويتطلع للاستمرار في الحكم وفق آليات ديمقراطية واضحة ومحددة سلفا. فهل تسير موريتانيا على نهج روسيا الحديثة في تبني استيراتيجية الرئيسين بوتين وميدفيديف في التناوب على حكم روسيا الاتحادية؟

أهمية اختيار المرشح عن طريق الحزب

تستحق موريتانيا أن تجد من بين أبنائها الوطنيين المقتدرين من يتولى تسيير مواردها وإدارة شؤونها العامة خدمة لهذا الشعب الصبور الذي تحمل الكثير من الغبن والحيف من نخبه المتعاقبة على تسيير ثرواته وموارده الهائلة التي لا يجد منها إلا الفتات وإن وجد شيئا يتم المن عليه بما "جاد به كرم الحاكم وعطفه" على مواطنيه الفقراء رغم الثروات الهائلة والمتنوعة التي تزخر بها هذه الأرض الولود

لذلك من المهم أن يتم اختيار المرشحين لمناصب القيادة السياسية للبلد عن طريق انتخابات داخل الأحزاب ذاتها يتم خلالها التنافس بين المرشحين للحصول على تزكية قيادات وأطر وقواعد الحزب بناء على برامج انتخابية واضحة وتاريخ مشرف في خدمة الوطن والمواطن حتى يستحق هذا المرشح أن يتقدم للحصول على تزكية المواطن وتصويته له في انتخابات وطنية عامة

ما يحصل اليوم هو تزكية صديق لصديقه وأطر لإطار منهم، وهو خيار، حتى ولو كان سليما، إلا أنه يظل "غير ديمقراطي" لأنه لا يخضع لقواعد الشفافية والانتقاء الديمقراطي وفق معايير وقواعد محددة وواضحة كالتي سلف ذكرها.

فمتى يتم اختيار مرشحي أحزابنا السياسية للانتخابات الرئاسية عبر انتخابات داخلية يحسم فيها الأطر الحزبيون بكفاءاتهم تزكية أحزابهم وقواعدهم الحزبية قبل الترشح للانتخابات المباشرة؟

عقلية "الزعيم الرمز"

ومن سلبيات الأنظمة "غير الديمقراطية" التعلق بشخص "القائد" و "الزعيم" وهي ثقافة توجد حصرا في عالمنا الثالث الذي لا يؤمن بالكفاءات التي يمكن ان تكون بديلا أفضل مائة مرة من القائد الذي وصل بطريقة أو بأخرى إلى سدة الحكم وامتلك قلوب الكثير من الأطر والوجهاء بالترغيب والترهيب وليس بالبرامج والانجازات العملاقة لفائدة الوطن والمواطن.

هذه العقلية هي التي يمكن من خلالها ان يورث الزعيم السلطة والحكم والنفوذ لمن يشاء دون خشية من رفض او معارضة مؤثرة من دائرة النفوذ والسلطة التي يعتبر هو نفسه مركزها  ومحركها الوحيد.

وللتخلص من هذه العقلية البائدة لا بد من فرض الإطار السياسي ممثلا في الحزب كمختبر لإنتاج وإبراز الكفاءات الوطنية المؤهلة للقيادة، وهو ما لم يتم حتى الآن، رغم وجود بعض الإرهاصات على مستوى حزب الاتحاد من اجل الجمهورية الحاكم، وإن كان بعض المراقبين يعتقد أن "هذا التحسن" إنما جاء ليمهد لمرحلة ما بعد انتهاء مأمورية رئيس الجمهورية والتمكين لمن يخلفه ومنح الحزب صلاحيات واسعة تناسب مقام ومكانة رئيسه المرتقب.

بوتين وميدفيديف موريتانيا

على طريقة التناوب على السلطة في روسيا الحديثة، يبدو أن "موريتانيا الجديدة" تتجه لانتهاج ذات الآلية التناوبية بين رمزين من رموز نظام واحد هما عقله ومحركه وأساسه، فبوتين روسيا أصبح رئيسا وبعد انتهاء مأموريته الدستورية رشح رئيس وزرائه ميدفيديف لمنصب الرئيس ليصبح هو نفسه رئيسا للوزراء وبعد انتهاء مأمورية رفيق دربه عاد ليصبح رئيسا لروسيا مجددا، وفي عهده حققت روسيا إنجازات هائلة وأصبحت دولة غنية وراقية في كل المجالات وعادت لمكانتها الدولية في عهد الاتحاد السوفيتي وربما أكبر من ذلك بفضل وضوح الرؤية والدعم الجماهيري منقطع النظير للرئيس بوتين.

وفي بلدنا تحققت في عشرية الرئيس محمد ولد عبد العزيز انجازات كثيرة وهامة في شتى المجالات وهو يحمل برنامجا طموحا لتحقيق المزيد لكن العائق الدستوري يحول دون بقائه رئيسا بعد انتهاء مأموريتيه لذلك كان لا بد له من اختيار من يمكنه القيام بنفس الدور والسير على نفس الخطى وليس أقرب من صديقه الحميم ورفيق دربه الجنرال محمد ولد الشيخ الغزاوني الذي يعتبر من خيرة ضباط الجيش وأكثرهم قبولا لابتعاده عن الخوض في السياسة وجدلها وتعقيداتها، لكن هل يتناغم طموح النظام مع رغبة المواطن وتطلعاته البسيطة المشروعة؟

المواطن والحلم البسيط

يتطلع المواطن الموريتاني إلى أن يجد أثرا عليه من خيرات بلده وثرواته الهائلة، فالسمك وحده، دون الحديد والنحاس والذهب والثروة الحيوانية والنفط، كفيل بإثراء أربعة ملايين مواطن في بلد يعيش ثلث شبابه في شتات العالم بحثا عن حياة كريمة رغم المصاعب التي يواجهها في معظم الدول التي اتخذ منها وطنا بحثا عن دخل مشرف.

بإمكان مواطني موريتانيا أن يصبحوا أكثر ثراء من أبناء دول الخليج العربية لو انتهجنا سياسة تنموية وتسييرية شفافة، وتم إرساء أسس دولة القانون والمؤسسات والعدل التي في غيابها تتحول خيرات الوطن إلى جيوب أشخاص وجماعات ولا يجد منها المواطن العادي سوى فتات موائد المناسبات الانتخابية

ما يحلم به المواطن البسيط هو توفير السكن والعمل المناسب والغذاء والدواء والخدمات العامة من ثروات بلده حتى يستشعر انتماءه لهذه الربوع من العالم، ولا يهمه كثيرا من يحكم ومن يتولى تسيير الشؤون العامة حين تتم تلبية تطلعاته البسيطة والمشروعة هذه.

فهل يتحقق للمواطن حلمه البسيط وحقه المشروع في التوزيع العادل لثرواته وموارده، أم أنها ستظل دولة بين من ظلوا يستأثرون بها على حساب الوطن والمواطن.

أحمد مولاي امحمد

العدد 558 من صحيفة التواصل الصادر بتاريخ 4 فبراير 2019