استمرار استجواب الرئيس السابق ورموز حكمه: هل يسعى نظام الرئيس غزواني لإرساء أسس دولة القانون والمؤسسات ؟

ثلاثاء, 01/09/2020 - 17:23

تفاجأ الموريتانيون بتصدع العلاقة الوطيدة بين الرئيسين السابق محمد ولد عبد العزيز والحالي محمد ولد الشيخ الغزواني، والذي بدأت ملامحه تطفو على السطح بغياب الرئيس السابق عن الاحتفالات المخلدة لذكرى الاستقلال الوطني المنظمة السنة المنصرمة في اكجوجت عاصمة ولاية انشيري، وحتى الآن لم يفصح أي من الطرفين عن أسباب غياب "عزيز" عن تخليد ذكرى الاستقلال الوطني واكتفى في إطلالته الصحفية بنفي قيامه بأي محاولة انقلابية وأن غيابه كان "لأسباب أخرى" دون الإفصاح عنها.

فهل يشكل تسلسل الأحداث لاحقا على ما سبق أم أن كل حدث منفصل عن سابقه وبمعزل عنه، وهل تم تشكيل لجنة التحقيق البرلمانية لوجود شبهات واضحة حول صفقات مشبوهة وملفات فساد في عشرية الرئيس السابق أم أن الأمر، كما قال هو نفسه، يدخل ضمن تصفية حسابات يقوم بها بعض خصومه السياسيين السابقين الذين أببعدهم عن حكمه وأصبحوا جزء من حكم نظام صديقه اللدود.؟!

أزمة "مرجعية " الحزب الحاكم

يعتبر الرئيس السابق أنه هو مؤسس حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الذي حكم البلاد منذ تأسيسه وطيلة حكم الرئيس السابق السيد محمد ولد عبد العزيز، وأنه هو مرجعية الحزب سواء بصفته المؤسس والرئيس سابقا، أو بصفته المؤسس الذي يحق له الاحتفاظ بمؤسسته السياسية التي يريد له الاستمرار حتى وهو خارج السلطة بنوابها وعمدها ومجالسها الجهوية وجميع منتخبيها وقواعدها الحزبية على امتداد التراب الوطني.

لقد كان الرئيس محمد ولد عبد العزيز يراهن على ولاء قيادات ومنتخبي حزب الاتحاد، وأنهم سيظلون على العهد كما كانوا قبل مغادرته السلطة، لكنه تفاجأ بعد عودته بأن نظام الرئيس محمد ولد الغزواني وضع يده على الحزب وعلى نوابه ومنتخبيه، إذ كانت أولى الخطوات التي قيم بها هي دعوة الحكومة الجديدة للنواب في حفل عشاء واستقبالات خص بها الرئيس والوزير الأول نواب وعمد ومنتخبي حزب الاتحاد سبيلا لضمان ولائهم للقيادة الجديدة للبلاد، وفور عودة الرئيس السابق من رحلته الخارجية وعقده اجتماعا بالقيادة المؤقتة للحزب حصل الشرخ الكبير، ليس بين الرئيسين الصديقين فقط وإنما بين رموز وقيادات الحزب، حيث استطاع الرئيس السابق الإبقاء على ولاء قلة قليلة من قيادة حزب الاتحاد تمثلت في الوزير السابق سيدنا علي محمد خونا وبيجل ولد هميد وآخرين، ومع إعلان الغالبية أن مرجعية الحزب السياسية هي الرئيس المنتخب السيد محمد ولد الغزواني تحطمت كل الآمال التي بنى عليها رفيقه طموحاتها في العودة للحياة السياسية بقوة ومن باب أقوى حزب في البلاد لينتهي به المطاف على عتبات أبواب حزب صغير أصبح بديلا مؤقتا ليتمكن أنصار الرئيس السابق من التعبير من خلاله عن مواقفهم و آرائهم السياسية في مستجدات الساحة الوطنية وهو ما لم يكن يتوقعه الرئيس ولد عبد العزيز بالطبع.

وقد شكلت تداعيات أزمة المرجعية بداية الهوة والخلاف بين الرئيسين الصديقين لتتبعها لا حقا سلسلة اتهامات للرئيس السابق بأنه أتى على كل خيرات البلد وثرواته وأثرى منها ثراء فاحشا على حساب المشاريع التنموية الكبرى ومؤسسات الدولة حيث لم يستفد سوى الرئيس السابق وبعض المقربين منه وهو ما شكل حلقة جديدة في أزمة الثقة بين الرئيسين.

لجنة التحقيق البرلمانية

وما لبثت الأزمة أن تفاقمت مع تشكيل لجنة برلمانية متخصصة مكلفة من طرف البرلمان بالتحقيق في عدد من الصفقات والملفات التي وصفت بأنها مشبوهة وأنها كانت تدر أموالا طائلة على الرئيس السابق ورجاله والمقربين منه على حساب اقتصاد البلد ومواطنيه.

وهكذا بدأت اللجنة البرلمانية فتح الملفات المذكورة واستدعت مختلف الوزراء والشخصيات الاقتصادية والسياسية التي كانت على صلة وثيقة بالرئيس السابق وبعض أفراد أسرته خلال العشرية المنصرمة لتسفر نتائج تحقيق اللجنة البرلمانية عن رفع تقرير نهائي إلى الادعاء العام الذي باشر بدوره تعميق التحقيق والاستماع لشخصيات مهمة واستدعى الرئيس السابق الذي رفض التجاوب وأصر على عدم الإجابة على أي سؤال للمحققين كما أكد عدم اعترافه بلجنة التحقيق البرلمانية ووصفها في لقائه الصحفي الأخير بأنها ليست نزيهة وأنها تشكلت من خصومه السياسيين بشكل خاص وأعضاؤها أصحاب سوابق، وفق تعبيره، تلميحا لدرجة التصريح.

واليوم وقد أصبح للرئيس السابق فريق دفاع يتشكل من بعض خيرة محامي البلد وللدولة فريق دفاع من 60 محاميا يبدو أن الأزمة تتجه للتصعيد وليس هناك حل وسط، لأن الأمر بالنسبة للنظام يتعلق بملفات فساد لا بد من التحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها، فيما يعتبرها الرئيس السابق وأنصاره مسألة رد اعتبار ودفاعا عن "الكرامة والسمعة" في وجه "حملة شيطنة وتشويه متعمدة".

من (ينتصر) في النهاية؟

من خلال المعطيات والمسلمات، يبدو أن الرئيس السابق سيواجه مصاعب حقيقية تتمثل في تقديم أدلة تثبت تورطه والمقربين منه في ملفات فساد كبيرة، سواء في مجال الصيد والاقتصاد البحري أو البنى التحتية الطرقية والكهربائية أو في مجالات أخرى كإفلاس شركات وتشييد بنوك وحتى "غسيل أموال"، وكل هذه التهم تم إعدادها بأدلتها حتى قبل تشكيل اللجنة البرلمانية، وفق مصادر خاصة، وهو ما يعني أن على الرجل معرفة الخطوة المناسبة التي عليه أن يتبناها لمواجهة هذه الأدلة "القطعية" فهل سيتم سجن الرئيس السابق ورجال حكمة وبعض المقربين منه؟ ومن سينتصر في النهاية ؟

بداية التوقيف هل هي تمهيد للسجن؟

ويعتقد مراقبون للمشهد السياسي الوطني أن توقيف الرئيس السابق لعدة أيام لدى إدارة الأمن على ذمة التحقيق كان بمثابة كسر لهيبة الرجل وإعلانا للمواطنين بأنه "لا أحد فوق القانون" كما أنه بمثابة تهيئة للرأي العام عموما ولأنصار الرئيس السابق بتقبل وقبول إدخال الرجل السجن فور انتهاء محاكمته أو التحقيق معه.

ولا شك أن الرئيس السابق السيد محمد ولد عبد العزيز لم يكن أول رئيس يدخل السجن من رؤساء البلاد بدءا بالرئيس المؤسس المرحوم المختار ولد داداه، لكنه أول رئيس للبلاد يدخل السجن على ذمة التحقيق في قضايا فساد، والفرق كبير بين الأمرين.

ويرجح مراقبون ومقربون من النظام الحاكم أن الرئيس محمد ولد الغزواني يعمل على ترسيخ قواعد دولة القانون والمؤسسات التي لا تعترف بالصداقة والقرابة والمحسوبية ولا بالعلاقات الشخصية، وأنه سيمضي في هذا الملف إلى أن تتحقق النتيجة المرجوة منه وهي إدانة الرئيس ولد عبد العزيز وسجنه واستعادة الأموال العمومية موضوع التحقيق وإلغاء الصفقات المشبوهة أو تبرئته وإطلاق سراحه وفتح صفحة مغايرة في تاريخ موريتانيا جديدة "متصالحة مع نفسها، يحكمها العدل والقانون"

ورغم ما قد يواجه النظام من مصاعب حال اعتقال الرئيس السابق وإدانته بــ"الجرم المشهود" إلا أنه لم يعد هناك خيار للتراجع ...

وستعرف البلاد محاكمات مشابهة لرموز وشخصيات بارزة في البلد لها تاريخ واسع وباع طويل في نهب المال العام وإفلاس مؤسسات الدولة

وقد اعتمد النظام المبدأ المتداول "إذا ضُرب الإمام خاف المؤذن"، فهل نحن بصدد بناء دولة قانون ومؤسسات، كما يعتقد أنصار النظام ؟، أم أننا نتابع عملية تصفية حسابات بين النظام السابق وخصومه من تيارات سياسية معادية لولد عبد العزيز ؟

أحمد ولد مولاي امحمد

العدد 594 من صحيفة التواصل بتاريخ 31اغسطس 2020